عربي
عاد ملف "بشمركة روج" (وهي الذراع العسكرية للمجلس الوطني الكردي السوري) إلى واجهة النقاش السياسي والعسكري في شمال شرق سورية، في ظلّ حديث رسمي متزايد عن إمكانية عودة هذه القوة الكردية السورية إلى الداخل، بالتوازي مع مسار دمج أمني وعسكري تقوده الحكومة السورية. وتفتح هذه التطورات الباب أمام إعادة طرح دور هذه القوات التي بقيت خارج الحدود السورية منذ تأسيسها رغم ارتباطها المباشر بالمشهد الكردي في البلاد.
في هذا السياق، برزت تصريحات حديثة للمتحدث باسم الفريق الرئاسي لتنفيذ اتفاق 29 يناير/كانون الثاني مع "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) أحمد الهلالي، خلال مقابلة مع قناة "ولات" الكردية أول من أمس الأحد، أعادت تسليط الضوء على ملف عودة الضباط والعناصر الأكراد الذين انشقوا عن الجيش السوري (في عهد النظام السابق) وتوجهوا إلى إقليم كردستان، في إشارة مباشرة إلى مقاتلي "بشمركة روج". وأكد هلالي أن الدولة السورية ترّحب بعودتهم، معتبراً أن مشاركتهم في الجيش السوري "مطروحة على الطاولة"، لكنها تحتاج إلى "تنسيق وترتيبات عالية".
بقيت "بشمركة روج" خارج مناطق شمال سورية وشرقها، بسبب الخلافات مع حزب الاتحاد الديمقراطي
ويُنظر إلى هذه التصريحات على أنها مؤشر واضح على إمكانية إعادة دمج "بشمركة روج" ضمن المؤسسة العسكرية السورية، في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية أوسع، خصوصاً مع الحديث عن انفتاح رسمي سوري تجاه الملف الكردي.
"بشمركة روج" بين 2012 و2026
تأسست "بشمركة روج" عام 2012 في إقليم كردستان العراق قوةً عسكريةً كرديةً سوريةً تتبع سياسياً للمجلس الوطني الكردي (تأسس عام 2011)، وتضم منشقين عن الجيش السوري ومتطوعين أكراد معظمهم من اللاجئين السوريين. وخضعت هذه القوات لتدريبات عسكرية منظمة على يد قوات البشمركة العراقية، ما أكسبها خبرات قتالية، خصوصاً خلال مشاركتها في الحرب ضد تنظيم "داعش" في العراق بين عامي 2014 و2018.
ورغم هذه الجاهزية، بقيت "بشمركة روج" خارج مناطق شمال سورية وشرقها، نتيجة الخلافات السياسية والعسكرية مع حزب الاتحاد الديمقراطي (بي واي دي) و"قسد" التي تسيطر على تلك المناطق، وقد شكّل هذا الانقسام أحد أبرز العوائق أمام عودة هذه القوات إلى مناطقها الأصلية.
من جهته، قال حسن رمزي، عضو اللجنة المركزية في الحزب الديمقراطي الكردستاني ـ سورية، في حديث لـ"العربي الجديد"، إن نشأة "بشمركة روج" ارتبطت بسياق الثورة السورية، مشيراً إلى أن "الضباط والجنود الأكراد رفضوا الانخراط في قمع الشعب السوري، وغادروا إلى إقليم كردستان، حيث تشكلت هذه القوة من الشباب الأكراد السوريين".
وأضاف رمزي أن هذه القوات خضعت لتدريبات "وفق المعايير الدولية"، وشاركت في القتال ضد "داعش"، مؤكداً أنها "لم تتلطخ أيديها بدماء السوريين ولم تقاتل أي مكّون سوري"، بل كانت جزءاً من الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب، وشاركت في معارك مفصلية، أبرزها في سنجار.
وشدّد رمزي على أن المجلس الوطني الكردي كان "منذ البداية يطالب بعودة بشمركة روج إلى سورية لحماية مناطقها وجميع مكوناتها"، معتبراً أن "مكانها الطبيعي هو بين شعبها". ورأى أن التصريحات الأخيرة الصادرة عن مسؤولين سوريين، والتي تشير إلى بحث هذا الملف، تمثل "خطوة إيجابية" تستحق البناء عليها.
حسن رمزي: بشمركة روج لم تتلطخ أيديها بدماء السوريين ولم تقاتل أي مكّون سوري
وأضاف عضو اللجنة المركزية في الحزب الديمقراطي الكردستاني ـ سورية أن "بشمركة روج مقبولة من قبل مختلف المكونات"، داعياً إلى التعامل مع ملف عودتها "بجدّية وعلى أعلى المستويات"، بما يسمح بدمجها في إطار القوات السورية الجديدة، والمساهمة في "بناء سورية المستقبل"، وضمان حقوق الأكراد في الدستور.
وكانت مسألة عودة "بشمركة روج" طرحت في السابق خلال محطات عدة، أبرزها خلال معركة عين العرب (كوباني) ضد "داعش" (2014 – 2015) حين عرض المجلس الوطني الكردي إرسال مقاتلين لدعم المدينة، إلا أن العرض قوبل بالرفض من قبل حزب الاتحاد الديمقراطي الذي اشترط أن تكون جميع القوات تحت قيادته. كما تكررت لاحقاً دعوات لدمج هذه القوات ضمن "قسد"، لكن المجلس الوطني الكردي رفض ذلك مفضلاً صيغة شراكة لا تقوم على هيمنة طرف واحد.
وتشير تقديرات إلى أن عدد مقاتلي "بشمركة روج" يتراوح بين 5 آلاف و6 آلاف عنصر، ما يجعلها قوة عسكرية منظمة يمكن أن تؤدي دوراً مهماً في حال تم التوصل إلى اتفاق سياسي شامل.
مع ذلك، لا تزال عودة هذه القوات تصطدم بتحديات كبيرة، أبرزها استمرار الانقسام الكردي، ومخاوف "الإدارة الذاتية" الكردية من دخول قوة لا تخضع لسيطرتها، إضافة إلى تعقيدات إقليمية تتعلق بعلاقات المجلس الوطني الكردي.
في المحصلة، تبدو "بشمركة روج" اليوم أمام فرصة جديدة للعودة إلى الداخل السوري، مدفوعة بانفتاح رسمي وتغيرات سياسية متسارعة. غير أن هذه الفرصة تبقى رهناً بقدرة الأطراف المعنية على تجاوز الخلافات، والتوصل إلى صيغة توافقية تتيح لهذه القوة الانتقال من موقع الانتظار خارج الحدود إلى دور فعلي داخل سورية، في إطار إعادة تشكيل المؤسسة العسكرية ومستقبل التوازنات في المنطقة.

أخبار ذات صلة.
أمطار وفيرة تدعم المخزون الغذائي للمغرب
العربي الجديد
منذ 34 دقيقة