العراق... ساحة الحرب الخلفية تحتدم
عربي
منذ 3 ساعات
مشاركة
لم يتأخّر العراق عن الدخول في أتون الحرب المستعرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. فسرعان ما اندفعت الفصائل العراقية الموالية لطهران نحو جبهة المواجهة، معلنةً اصطفافها المباشر باستهداف ما تصفها بـ"المصالح والقواعد الأميركية"، ليدخل العراق مرحلةً من التيه أمنياً وسياسياً، ستمتدّ تداعياته طويلاً، وستُرسم ملامح البلد بناءً على ما ستفرزه المعركة من نتائج تطاول بنية النظام الإقليمي برمّته. واليوم، باتت هذه الفصائل التي استثمرت فيها إيران طويلاً جزءاً عضوياً من معركتها الكُبرى، ليتحوّل العراق إلى ساحة حرب حقيقية لا تقتصر آثارها على الداخل فحسب، بل تمتدّ لتشمل المنطقة ككلّ. فالعراق اليوم ليس مجرّد بلد يصارع من أجل الاستقرار، بل هو "ساحة مواجهة خلفية"، ومختبر دموي لكسر العظم بين قوى دولية وإقليمية قرّرت تصفية حساباتها فوق "أرض السواد". استهداف البعثات الدبلوماسية والرموز السيادية جعل من بغداد "عاصمةً غير آمنة" للاستثمار أو للدبلوماسية يعيش العراق اليوم مفارقة تراجيدية؛ فهو الحليف الرسمي لواشنطن، والجار اللصيق لطهران، لكنّه في الحقيقة بات "الخاصرة الرخوة" لكليهما. لقد تصاعدت حدّة الهجمات، ولم تعد تستهدف القواعد الأميركية ومصالح واشنطن فحسب، بل امتدّت نيرانها لتطاول مؤسّسات سيادية في صلب الدولة، منها جهاز المخابرات الذي تعرّض لهجوم بطائرة مسيّرة قبل أيام، أدّى إلى مقتل ضابط وإصابة آخرين، ناهيك عن استهداف البعثة الأوروبية، وقبلها القنصلية الإماراتية في أربيل أكثر من مرّة. وهنا، نحن لا نتحدّث عن خروقات أمنية عابرة، بل عن عجز حكومي كامل في مواجهة هذه الفصائل، حتى بات المشهد يبدو "متاهة" بلا مخرج، في ظلّ فقدان القدرة الرسمية على كبح جماح هذه الاعتداءات. لم يتوقّف هذا العجز عند الجغرافيا العراقية، بل امتدّ ليشمل دول الجوار العربي من خلال استهداف دول الخليج والأردن عبر بيانات منسوبة لتلك المليشيات، ما يضع بغداد في "عزلة إقليمية خانقة". وبينما يتحرّك الميدان بأوامر تتجاوز الحدود السيادية، تجد الحكومة نفسها في موقف "المتفرج القلق"، مكتفيةً ببيانات الإدانة، ما يحوّل الدولة من لاعب أساس إلى مجرّد "صندوق بريد" ملغوم بالرسائل السياسية القاتلة. دخول العراق في هذه الدوامة ضرب العمق العربي والإقليمي للبلاد في مقتل؛ فاستهداف البعثات الدبلوماسية والرموز السيادية، كما حدث في فندق الرشيد والسفارة الأميركية، جعل من بغداد "عاصمةً غير آمنة" للاستثمار أو للدبلوماسية، وهو ما نسف جهود سنوات طويلة حاولت فيها الدولة إقناع العالم بأن العراق بلد واعد ومستقر. واليوم، تجد الدول العربية التي بدأت بالانفتاح على العراق نفسها أمام تساؤل مرعب: هل نتعامل مع دولة مؤسّسات، أم مع "كانتونات مسلّحة" تنطلق منها المسيّرات لتهديد أمننا القومي؟ ليست هذه العزلة مجرّد موقف سياسي، بل هي حصار دبلوماسي يضيّق الخناق على محاولات استعادة الدور العراقي. فكلّ صاروخ يسقط في أربيل، أو مسيرة تحلّق باتجاه الخليج، يقتطع جزءاً من رصيد العراق الدولي، ويدفع القوى الكُبرى والشركات العالمية، لا سيّما في قطاع الطاقة، إلى إعادة التموضع أو الانسحاب التكتيكي، كما نلحظ حالياً في تحرّكات القوات الإسبانية والفرنسية، وبعض كُبريات شركات النفط التي بدأت بسحب موظفيها. وإذا كان المشهد السياسي قاتماً، فإن الواقع الاقتصادي ينذر بكارثة وجودية تفوق في خطورتها أزيز الرصاص. فبقرار طهران إغلاق مضيق هرمز مطلع مارس/ آذار الجاري، دخل العراق فعلياً مرحلة "السكتة القلبية" المالية، فالدولة التي تعتمد بنسبة 90% على النفط وجدت نفسها فجأة بلا منفذ تصديري جنوبي، وبلا بدائل حقيقية تستوعب ملايين البراميل من خام البصرة. والحديث عن "الخطوط البديلة" عبر تركيا ليس سوى بيع للأوهام؛ فقدرة هذه المنافذ لا تغطّي ربع الكلفة التشغيلية للدولة. توقّف تدفق النفط يعني حتماً توقّف الرواتب وانهيار القوة الشرائية، وتحوّل "ثورة الجياع" من احتمال كان مستبعداً إلى حتمية مقبلة. فالعجز عن تأمين السيولة، مع تراجع ثقة المصارف الدولية، سيؤدّي إلى تآكل الاحتياطي النقدي، ويضع البلاد أمام سيناريو الانهيار الشامل الذي لن تنجو منه حتى الطبقة الحاكمة. في هذه المعركة، يبدو المواطن العراقي هو "الوقود الحقيقي"؛ فهو من يدفع ثمن الشظايا التي تتساقط فوق منزله، ومن سيواجه المجاعة نتيجة انقطاع شريان هرمز. مشكلة العراق المركّبة أنه الحليف الاستراتيجي لواشنطن والعمق الحيوي لطهران يقف العراق اليوم عند مفترق طرق تاريخي: إمّا أن تستعيد الدولة زمام المبادرة وتضرب بيد من حديد على "السلاح المنفلت" لتعيد رسم خريطة مصالحها بعيداً عن التبعية، أو تنجرف لتكون ساحة تصفية في صراع إقليمي لا مصلحة لها فيه سوى الخسارة. يدفع العراق اليوم ثمن سنوات من تسليم أقداره لقوى مسلّحة موالية للخارج، استغلّت العمل السياسي، وتغلغلت في مفاصل الدولة، حتى صارت هي الجزء الفعلي والحاكم. هذه القوى هي التي أفشلت مشاريع تنويع منافذ التصدير بعيداً عن هرمز، وهي التي تضع البلاد اليوم في مواجهة مباشرة مع واشنطن، التي لا يبدو أنها ستصمت طويلاً على تهديد شركات نفطها العملاقة التي دخلت العراق أخيراً. مشكلة العراق المركّبة أنه الحليف الاستراتيجي لواشنطن والعمق الحيوي لطهران في آن. لذا، الأيام المقبلة مرشّحة لمزيد من الانفجار، وعلى الحكومة أن تأخذ زمام المبادرة فوراً، قبل أن تنزلق الأمور إلى ما لا يُحمد عقباه، خصوصاً أنّ العراق ما زال يتسلّم واردات نفطه من الفيدرالي الأميركي، بمعنى أنّ أيّ حركة أميركية لمحاصرة العراق اقتصادياً ستؤدّي إلى نتائج كارثية.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية