عن عرب إسرائيل الحقيقيين
عربي
منذ 3 ساعات
مشاركة
لا يتعلّق الأمر بمزايدة، بل بواقع لا سبيل إلى إنكاره، ولو اختلفنا في تفسيره: ماذا لو كنّا مكان العدو؟ جيش احتلال ينتزع أرضاً من أهلها، ويدّعي أن لديه مبرّراته، فيما لا تاريخ له هنا، ولا جغرافيا، ولا مشتركات مع محيطه الإقليمي. يحصل العدو على دعمه من الغرب، من الولايات المتحدة وأوروبا، ويعتبر نفسه دولةً أوروبية، حتى مباريات كرة القدم يلعبها هناك. وفي المقابل يؤدّي للغرب أعماله القذرة في منطقتنا، كما قال المستشار الألماني فريدريش ميرز، وهو يدافع عن جرائم إسرائيل في إيران وغيرها. إسرائيل، بهذا المعنى، هي البديل الذي صنعه الاستعمار حين تراجعت جيوشه ولم تتراجع مطامعه. وهذه هي "المهمة" التي زادت المسافة بين هذا الكيان ومحيطه، فهو هنا لا للاندماج، بل للنهب والسرقة والإفشال وحراسة التخلّف. تشاركه في ذلك أنظمة استبدادية لا يعنيها من أمر شعوبها سوى مشاركة المستعمِر في نهبها، ولعق ما تبقّى من فضلاته "الإبستينية". فهل يكفي ذلك كلّه لكي تستمرّ إسرائيل آمنةً في منطقتنا؟ هل يكفيها دعم الغرب وحده؟ هل تكفيها شراكة الأنظمة المحلّية ذات الطابع الاحتلالي؟ الإجابة لا. فالمنطقة تملك من أسباب المقاومة ما يدفعها، مهما طال الزمن، باتجاه مزيد من الاستقلال والكرامة. وفي هذه المنطقة من عناصر الحياة ما يتجاوز، كمّاً وكيفاً، عمر إسرائيل وداعميها. لذلك، كان لا بدّ لإسرائيل من شغل المنطقة بنفسها. فحتى التفوّق العسكري، على فداحته، لا يكفي لكسر هذه البلاد الواحدة. ولن يكسرها سوى أن تنقلب على نفسها. خذ موقع العدو، وضع قدميك في حذائه، وفكّر. ماذا تريد؟ وكيف تصل إليه؟ شغل المنطقة بنفسها يقتضي تأليبها على نفسها، والبحث في نقاط ضعفها، وفي ثغراتها، وفي مشكلاتها الحقيقية، ثم تكبير هذه المشكلات، وتعميقها، وتأجيجها، وتفجيرها في وجوه أصحابها، وفي أفكارهم، وفي معتقداتهم، وفي صورهم عن أنفسهم وعن غيرهم. من هنا أعادت إسرائيل تدوير نفايات الاستعمار القديمة في منطقتنا: الطوائف، والأقليات، والفروق الحضارية، وأسباب الكراهية والمرارات والأحقاد... أي المشكلات الموجودة بالفعل، والقائمة بالفعل، والضاغطة بالفعل، والقابلة دائماً لمزيد من الاستثارة والحضور، حتى يغيب أصحابها فيها، ويعيدون تعريف أنفسهم وعدوهم من خلالها. وقد كان. تحوّلت سردية "العدو ليس إسرائيل" إلى خطابات سياسية ودينية وقبلية، ثم إلى خطط، ثم إلى إكراهات سياسية بدت لكثيرين رهانات وخيارات. ثم إلى مواجهات وحروب، يتصوّر كلّ طرف فيها أنه ينتصر لقضيته العادلة، ولحقّه في الوجود، بعيداً من أعدائه (المتخيَّلين) الذين لا يستحقّون أقلّ من الإبادة، لكراهيتهم لنا، ولتعاليهم علينا، ولحطّهم من قدرنا. ثم يأتي من يخبرك، صادقاً، أن العدو اثنان، وأنّ التجارب المحدودة، بمعزل عن النظرة الكلّية، هي التي تحدّد تعريف العدو. ولا تقف هذه الرؤية عند حدود "الترومات"، أو وجهات النظر، بل تجد من يدفع بها (ولها) من حلفاء العدو المحلّيين، الذين ارتبط وجودهم واستمرارهم بدعم العدو حصراً، ولا قدرة لهم على الرهان على أنفسهم، أو شعوبهم، أو حتى على الدول والجيوش الحقيقية في المنطقة، فهم، في المدى المنظور وغير البعيد، أعداء محتملون. هل نحتاج إلى أن نقول لأحد يجيد القراءة والكتابة أن إيران ليست الأولى ولن تكون الأخيرة؟ بالتأكيد لا. فالعدو، بعد انتصار سرديته، يعلن بوضوح أن تركيا هي الهدف المقبل. ولن يعدم، عندها أيضاً، عرباً ومسلمين يدبجون الحجج عن تركيا العلمانية الأتاتوركية، غير العربية، التي تسبّبت في تخلّف العالم الإسلامي، واحتلّته، وارتكبت بحقّه، وبحقّ غيره، الجرائم والمذابح التي تستحقّ لذلك كلّ عداء وكلّ اعتداء. رغم أنها ليست نووية، وليست شيعية، وليست مقاومة. وسيجري توظيف الدين، واليسار، والإسلام السياسي، والقومية، والعلمانية، وحقوق الإنسان، وثورات الربيع العربي، والتاريخ، من بني عثمان إلى رجب طيّب أردوغان. بل سيجري توظيف قيم الجمهورية التركية نفسها لكي تتحوّل على ألسنة عرب إسرائيل الحقيقيين، إلى أسباب وجيهة و"عقلانية" لضرب تركيا. وهلمّ جرّاً...

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية