عربي
بعد أن كان المديح السوداني، بإيقاعه القائم على السلم الخماسي وضربات الطار، غريباً على الأذن المصرية، بات اليوم أكثر ألفة مع تزايد الفعاليات الفنية الدينية، ولا سيّما خلال شهر رمضان، فقد بدأ هذا اللون الإنشادي يجد له مساحة داخل مشهد الموسيقى الدينية في القاهرة، إلى جوار الابتهال المصري.
هذا الحضور المتزايد للمديح السوداني والمرتبط بالوجود الكثيف للسودانيين في مصر إثر الحرب الدائرة ببلدهم، يعود إلى عوامل اجتماعية وثقافية، من بينها تشابك الطرق الصوفية بين البلدين، وتنامي الفعاليات التي تستضيف منشدين من مدارس إنشادية وطرقية مختلفة، إضافة إلى اهتمام مؤسّسات ثقافية، مثل دار الأوبرا وبعض المراكز المستقلة، بتقديم تجارب تجمع بين التقاليد المصرية والسودانية. داخل هذه المساحات، بات من المعتاد أن يُستمع إلى الطار السوداني إلى جانب القانون والكمان، وأن تتجاور جملة خماسية سودانية مع قفلة مقامية مصرية في الحفل نفسه.
مع طول إقامة الفرق السودانية في القاهرة واحتكاكها بالجمهور، بدأت تظهر ملامح تأثير مصري واضح على الأداء التقليدي؛ فلم يعد الطار وحده في الصدارة، بعدما دخلت آلات مثل الكمان والقانون والناي إلى بعض الفرق السودانية، ما أتاح الاقتراب من المقامات الشرقية إرضاءً للأذن المصرية المعتادة على هذا البناء اللحني.
ومن أمثلة الفرق السودانية التي غلب على أدائها هذا التأثير، فرقة "أصوات سودانية"، التي تتكون من تخت موسيقي يجمع بين الكمان والآلات الإيقاعية التقليدية، ويقوم برنامج الفرقة على تقديم التراث الغنائي السوداني إلى جانب أعمال مصرية معروفة، في محاولة للتقارب مع الجمهور المحلي.
هناك أيضاً فرقة "سلام" التي يعتمد أسلوبها على الجمع بين التراث السوداني وبعض المؤثرات الشرقية، مستفيدة من المعرفة المقامية في تقديم صياغات لحنية تتقاطع أحياناً مع المدرسة المصرية، خصوصاً في القفلات والتلوين الصوتي.
إلى جانب ذلك، تبرز جمعية دنقلا للثقافة والتراث النوبي التي شاركت في العديد من المهرجانات وفعاليات الإنشاد الصوفي في القاهرة، مقدمة عروضاً تمزج بين الروح النوبية السودانية وبعض عناصر الأداء المصري في الابتهال.
ومن أبرز مظاهر التأثر المتبادل، ما يمكن رصده في بنية الأداء نفسها. فالكوبليه السوداني، الذي كان يُؤدى تقليدياً بإيقاع متواصل يعتمد على الضرب الجماعي المنتظم للطار وتكرار الجملة اللحنية، بات في بعض العروض يُختتم بقفلة تطريبية تقوم على المد والسحب النغمي، ما يخلق نقطة تماس مع الذائقة المحلية من دون المساس بطبيعة السلم الخماسي أو الإيقاع الأصلي.
وعلى مستوى النص أيضاً، ظهرت تحولات مشابهة، فلجأ بعض المنشدين السودانيين في القاهرة إلى استخدام لغة عربية أقرب إلى الفصحى المبسطة، أو ما يُعرف باللغة البيضاء، مع تقليل المفردات المحلية شديدة الخصوصية، إذ لا تقف اللهجة حاجزاً أمام التفاعل.
تأثر المديح السوداني بالمشهد المصري، فبدأ بعض المنشدين المصريين يستلهمون من روح السلم الخماسي. في صدارة هذه التجارب، يبرز اسم علي الهلباوي الذي قدم في عدد من الحفلات والمهرجانات الصوفية تجارب دمج فيها بين الارتجال المقامي المصري والسلم الخماسي السوداني.
أما فرقة الحضرة للإنشاد الصوفي، فقد اتجهت في حفلاتها الأخيرة إلى استضافة منشدين سودانيين، ليتبادل الطرفان الأبيات في حوار موسيقي ينشد فيه المصري بالمقام الشرقي، ويرد السوداني بالسلم الخماسي.
في سياق مهرجان سماع العام الماضي، سعت عروض الإنشاد المشتركة إلى البحث عن نقاط التقاء موسيقية، عبر مقامات مثل البياتي والراست والسيكا؛ وهي مقامات تتيح قدراً من المرونة يسمح بتقاطع الحس المقامي المصري مع البنية الخماسية التي تميز جانباً واسعاً من الأداء السوداني.
كما شهدت بعض دورات مهرجان سماع تقديم نصوص صوفية مشتركة من التراث الإسلامي، مثل قصيدة البردة للإمام البوصيري، التي أُعيد أداؤها بصيغ تجمع بين الإيقاع الحركي الواضح في الأداء السوداني، والتدرج المقامي في المدرسة المصرية.
وفي إطار الورش الجماعية التي نظمها المهرجان تحت عنوان "هنا نصلي معاً"، شارك منشدون سودانيون إلى جانب فرق مصرية ومرتلين كنسيين، لتتجاور المدائح النبوية مع الترانيم القبطية في لحظة أدائية واحدة.
هذا التلاقي بين الإنشاد المصري والابتهال السوداني هو نتاج مسار تاريخي طويل، تشكل عبر عقود من تنقل الطرق الصوفية بين البلدين، قبل أن يتحول تدريجياً إلى تأثير متبادل، ويمكن تتبع هذا المسار عبر ثلاث مراحل رئيسية:
في المرحلة الأولى، تنقل المنشدون والمريدون بين أم درمان والقاهرة في إطار الطرق الصوفية، وعلى رأسها الختمية والقادرية، وشكلت حضرات السيدة زينب والحسين في القاهرة فضاءً جامعاً لهذا اللقاء المبكر، إذ شارك منشدون سودانيون بطارهم في الموالد المصرية.
هذا الحضور المتكرر أسهم في خلق ألفة سمعية مبكرة لدى الأذن المصرية مع الإيقاع الخماسي، حتى قبل أن يُنظر إليه بوصفه نظاماً موسيقياً مختلفاً أو مدرسة قائمة بذاتها.
ومع تأسيس الإذاعة السودانية عام 1940، بدأ المديح السوداني يخرج من الفضاء الطقسي المغلق إلى المجال العام، مكتسباً شكلاً أكثر انتظاماً وتنظيماً. وفي الوقت نفسه، كان المنشدون السودانيون يتابعون عبر الأثير تجارب كبار المبتهلين المصريين، مثل طه الفشني والشيخ سيد النقشبندي، فتأثروا بأساليبهم في الأداء والتطريب.
خلال هذه المرحلة، بدأ يظهر تأثير التطريب المصري في بعض جوانب المديح السوداني، سواء في طريقة أداء الكوبليه أو في بناء الجملة اللحنية. وظهرت محاولات واعية لاستخدام لغة أقرب إلى اللغة البيضاء، ليس لتوسيع دائرة التلقي داخل السودان فحسب، بل أيضاً لجعل المديح قابلاً للفهم والانتشار في مصر عبر الإذاعة.
ومنذ السبعينيات، انتقل التلاقي من مجرد الاستماع والتأثر إلى مزج فني. وبرز في هذه المرحلة الدور المحوري للطريقة البرهانية، التي نشطت بقوة في القاهرة خلال السبعينيات والثمانينيات، مقدمة مديحاً سوداني الكلمات والإيقاع، يُؤدى داخل زوايا ومساجد مصرية.
أصبح الطار السوداني في هذه المرحلة صوتاً مألوفاً وجزءاً من طقس صوفي معيش. وقد مهد هذا الحضور لاحقاً إلى انتقال المديح السوداني إلى المسارح والمهرجانات، وصولاً إلى التجارب المعاصرة التي تمزج بين الطرب المصري والسلم الخماسي السوداني في فضاء واحد، لتتكون اليوم مساحات مشتركة تعيد تعريف هذا التقارب داخل مشهد إنشادي واحد، يعكس تاريخاً من الجوار الروحي، وحاضراً من التفاعل الحي.
