الحرب تعيد تشكيل أسواق رمضان في غزة: محاولة البقاء
عربي
منذ 3 ساعات
مشاركة
لم تكن غزة بعيدة عن تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران التي فاقمت من معيشة سكان القطاع. وفي ظل أجواء الحرب التي تطايرت شظاياها على اقتصادات مختلف دول المنطقة، لم يعد شهر رمضان في قطاع غزة موسماً استهلاكياً كما كان في سنوات ما قبل العدوان الإسرائيلي، حيث كانت الأسواق تعج بالمتسوقين وتزدهر الحركة التجارية وترتفع وتيرة الإنفاق على المواد الغذائية والحلويات والملابس. وأغلق الاحتلال الإسرائيلي المعابر مع غزة لمدة ثلاثة أيام فور اندلاع الحرب على إيران، ما أدى إلى تراجع كميات السلع التي تدخل القطاع خلال هذه الفترة، ثم قامت بعد ذلك بفتح المعابر مرة أخرى. وكان شهر رمضان يشكل رافعة موسمية لقطاعات واسعة من الاقتصاد المحلي، من تجارة المواد الغذائية إلى المطاعم والبسطات الشعبية والأسواق المركزية، حيث كانت العائلات تتحضر له قبل أسابيع، تضع قوائم مشتريات خاصة وتدخر جزءاً من دخلها لتلبية احتياجات الشهر. أما هذا العام، فأعادت الحرب تعريف الشهر الفضيل اقتصادياً وزاد العدوان الإسرائيلي الأميركي على إيران من الإشكاليات، فحولته من موسم تتضاعف فيه القوة الشرائية إلى موسم يقتصر فيه الإنفاق على الحد الأدنى من مقومات البقاء. فقد انكمش النشاط الاقتصادي إلى حدوده الدنيا، وتراجع الاستهلاك إلى مستويات غير مسبوقة في ظل بطالة واسعة وانعدام مصادر الدخل. وتجدر الإشارة إلى أنه لم تعد معادلة رمضان قائمة على تنوع الأطباق أو مظاهر الضيافة، بل باتت مرتبطة بقدرة الأسرة على تأمين وجبة إفطار بسيطة. ومع ارتفاع معدلات البطالة إلى ما يزيد عن 80% وتجاوز معدلات الفقر 90%، يعيش غالبية السكان على المساعدات الإنسانية التي تصل بكميات شحيحة لا تلبي الحد الأدنى من الاحتياجات، ما جعل الشهر الكريم عنواناً لاقتصاد البقاء لا الرفاه الموسمي. وذكر الفلسطيني محمود حمد الله، أن رمضان قبل الحرب كان موسماً مختلفاً تماماً، "كنا ننتظر الشهر من عام إلى آخر ونبدأ التحضير له قبل قدومه بأسابيع، نشتري حاجياتنا ونبدع في إعداد الطعام، وكان الخير متوفراً رغم الظروف الصعبة". وقال حمد الله لـ"العربي الجديد": "الأسواق كانت ممتلئة بالبضائع وكانت الأسرة تستطيع تدبير أمورها ولو بحدود معقولة، أما اليوم، فالصورة تغيرت جذرياً، نحن الآن نتدبر أمورنا عبر التكية أو ما تقدمه المؤسسات الإغاثية، ولم يعد لدينا القدرة على شراء معظم الاحتياجات". وأوضح أن الأسرة تعيش حالة ترقب يومي لوصول المساعدات، لأن أي انقطاع فيها يعني العجز الكامل عن تأمين الطعام. وأضاف حمد الله: "كنا قبل الحرب نتحضر لشهر رمضان مبكراً، أما الآن فنعيشه بثقل كبير وأعباء مادية بسبب الوضع المعيشي وعدم توفر عمل". ولفت إلى أن غياب الدخل حوّل الشهر من مناسبة روحانية واجتماعية إلى عبء اقتصادي ثقيل تتضاعف فيه المخاوف من عدم القدرة على إطعام الأطفال. وفي شمال القطاع، عاد الفلسطيني حازم حمدونة، إلى نصب خيمته على أنقاض منزله غرب مخيم جباليا. وتحدث حمدونة عن رمضان قبل الحرب قائلاً: "كان لرمضان أجواء جميلة في سوق مخيم جباليا، كانت الحركة لا تتوقف والناس تتجول بعد الإفطار حتى ساعات متأخرة، والأصوات والأنوار تعطي شعوراً بالحياة". وأضاف لـ"العربي الجديد": "لكن المشهد اليوم مختلف تماماً، إذ يؤكد أن السوق دمرته إسرائيل بالكامل، ولم يعد بالإمكان الوصول إليه بسبب قربها من الخط الأصفر، لا يوجد سوق ولا توجد أجواء رمضانية، كل شيء تغيّر، فالدمار لم يقتصر على المباني، بل طاول تفاصيل الحياة اليومية". وأشار حمدونة إلى أن حالة الخوف الدائمة أنهت طقوس ما بعد الإفطار، "فلا أحد يستطيع التجول في المنطقة بسبب الوضع الأمني السيئ وإطلاق النار المستمر والتخوف من الطلقات الطائشة". وهكذا، لم يقتصر التحول على الاقتصاد فقط، بل طاول الفضاء الاجتماعي الذي كان يمنح رمضان معناه الخاص. وفي خيام منطقة المواصي، تعيش الفلسطينية هناء عبد الوهاب واقعاً أكثر قسوة، إذ يمر ثلاثة مواسم رمضانية على زوجها في الأسر بعد اعتقاله على حاجز نتساريم في أثناء نزوحه من شمال غزة إلى جنوبها. وقالت عبد الوهاب لـ"العربي الجديد": "منذ اعتقاله لا نتدبر أمورنا ولا نستطيع تأمين حاجياتنا اليومية، ونعيش في الخيام وسط ظروف صعبة". وأوضحت أن رمضان بات ثقيلاً من ناحية الاستهلاك وشراء الحاجيات، "نمرّر كل يوم بصعوبات بالغة وكل شيء أصبح مكلفاً". وأشارت إلى أن زوجها، رغم أنه لم يكن يملك عملاً دائماً قبل الحرب، كان يستطيع تدبير الحد الأدنى من متطلبات الأسرة. وأضافت: "الأسعار كلها أضعاف مضاعفة ودون توزيع المساعدات من الطعام لا يمكننا تدبر أمورنا اليومية، وبالتالي بات رمضان اختباراً يومياً للقدرة على الصمود في ظل غياب المعيل وارتفاع تكاليف الحياة". وفي قراءة للمشهد، أكد المختص في الشأن الاقتصادي، سمير أبو مدللة، أن حلول شهر رمضان هذا العام على قطاع غزة يأتي في ظل انهيار اقتصادي غير مسبوق، نتيجة استمرار الحرب وتدمير البنية التحتية وشلل عجلة الإنتاج بالإضافة إلى تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. وقال أبو مدللة لـ"العربي الجديد" إن الأسواق المحلية فقدت قدرتها على العمل بصورة طبيعية، فيما تعطلت مصادر الدخل بشكل شبه كامل، ما أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة إلى مستويات قياسية تجاوزت ثلثي القوى العاملة، الأمر الذي انعكس مباشرة على قدرة الأسر على تلبية احتياجاتها الأساسية. وأشار إلى أن الواقع المعيشي للغزيين بلغ مرحلة خطيرة، حيث تآكلت دخول العائلات إلى حدودها الدنيا، وأصبحت الغالبية العظمى تعتمد على المساعدات الإنسانية مصدراً رئيسياً للبقاء. ولفت أبو مدللة إلى أن القدرة الشرائية تراجعت بشكل حاد بسبب انهيار الدخل وارتفاع أسعار السلع الأساسية، في ظل شح البضائع وارتفاع تكاليف النقل والتخزين، ما خلق فجوة كبيرة بين احتياجات المواطنين الفعلية وإمكاناتهم المحدودة. وبيّن أن ما يشهده القطاع يمكن وصفه بـ"اقتصاد الطوارئ القسري"، حيث اختفت آليات السوق الطبيعية وحلّت مكانها مظاهر احتكار وارتفاع غير مبرر في الأسعار، خاصة في السلع الغذائية والدواء والوقود. وأوضح المختص في الشأن الاقتصادي، أن استمرار تعثر وصول المساعدات الإنسانية يزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي ويضاعف الضغوط على الأسر الفقيرة والنازحة، خصوصاً مع تزامن رمضان مع أجواء شتوية باردة ترفع من حجم الاحتياجات. وشدد على أن معالجة الأزمة تتطلب تدخلاً عاجلاً لوقف الاحتكار وضبط الأسواق وضمان تدفق المساعدات بشكل منتظم، إلى جانب تعزيز مبادرات التكافل المجتمعي لتكون صمام أمان اقتصادي وإنساني في ظل حرب أنهكت كل مقومات الحياة في القطاع. وبذلك أعادت الحرب تعريف رمضان في غزة اقتصادياً، فلم يعد موسماً للوفرة النسبية، بل أصبح موسماً لإدارة الندرة، حيث تحول من دورة استهلاك موسمية تنشط فيها الأسواق إلى دورة بقاء يومية تبحث فيها الأسر عن الحد الأدنى من الغذاء والأمان.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية