عربي
كثيراً ما تنطوي لحظاتُ التحوّلات الكبرى، مثل إسقاط النظام السوري قبل أكثر من عام، على تفاصيل تكاد لا تُرى قياساً بالحدث الاستثنائي، غير أنها تتراكم ببطء لتشكّل مشهداً جديداً. وفي الحالة السورية، يحمل هذا المشهد تحذيراً من إعادة إنتاج ما كان قائماً؛ في شكل نظام الحكم، ودور نوعٍ من النخب فيه، أو أولئك الذين أطلق عليهم المسرحي والشاعر الألماني برتولد بريخت اسم "مؤجّرو الرؤوس".
وعلى خلاف ما هو سائد في ثقافتنا من تبخيس دور المثقّف، والقول بألّا دور له، فإن كلَّ نظام في النهاية يحتاج إلى خطاب يتمثَّلُ به. كما لا يتشكّل أيّ نظام -بصرف النظر عن طبيعته- من دون سردية خاصّة تصوغها "نخبة" ما، إمّا عن قناعة أو عن ارتزاق.
مع صعود الفاشية في ألمانيا، في ثلاثينيات القرن العشرين، قدَّم بريخت في مسرحياته وقصائده مجموعة من الأفكار التي حذّرت من إنتاج أحد أقصى أشكال الشمولية الديكتاتورية في نموذج الرايخ الثالث. وكانت كتابات بريخت من المنفى، موجهة بصورة خاصّة إلى زملائه السابقين ضمن الإنتلجنسيا الألمانية، ممّن أخذوا يبيعون أفكارهم للنازية، حيث صارت الثقافة، في عهدة الشموليَّة النازية، مهنةً، تقوم على إنتاج خطاب يبرّر سلوك النظام وأوهامه.
وربما تمثّل مسرحية بريخت السياسية الساخرة "توراندوت، أو مؤتمر غاسلي الأدمغة"، كما جاءت في ترجمتها العربية التي أنجزها نبيل حفّار ودقّقها سعد الله ونوس (دار الفارابي، 1976)، تمثيلاً دقيقاً لهذه الطبقة من المثقفين. فالمسرحية تقصّ حكاية قيصر يُحرَم من غليونه الصباحي بسبب إجراءات تقشّف حكومية، فيقرّر احتكار القطن، لرفع أسعاره. ثم يستعين بـ"غاسلي الأدمغة/السمعة"، أي مجلس الحكماء، لكي يفسّروا للناس سبب غياب القطن عن الأسواق. ويقدّم بريخت هؤلاء الحكماء بوصفهم باعة آراء، حسب الطلب، إلى حدّ أن المسرحية تقول إن "أصحاب الدخل المحدود لا يستطيعون شراء آراء الحكماء".
على هذا النحو، يتحوّل التفكّر إلى "تجارة وسخة"، حسب تعبير المسرحية، فقد جاء في آراء الحكماء أن على الشعب التحلّي بالفضائل التي تساعده على التخلّي عن القطن، مثل فضيلتي الصبر والزهد. غير أن بريخت، الذي يقرأ الصراعات في إطار التناقضات الاجتماعية والسياسية، يُظهر أن مؤتمر الحكماء يَفشل في منع الشعب من الثورة على القيصر الذي خبّأ القطن، وعندما افتُضِح أمره، أَمرَ بإحراق المستودعات.
قد يتحوّل إسقاط النظام إلى مجرّد تبديل في أدوات إنتاج الخطاب
هذا الجانب من قراءة عالم بريخت رافق صعود النازية. لكن حتى بعد إسقاطها، استمرّ بريخت يحذّر من إعادة إنتاج خطاب التفوّق في ألمانيا الشرقية، سواء في قصائده أو في مسرحياته. وظلّ حضور الإنتلجنسيا الألمانية موضوعاً متكرّراً في كتاباته، وكان يستخدم تعبيراً لوصف أدوارهم بأنَّ "اللحم الجديد يؤكل بالشوكة القديمة". أي إن العهد الذي تلا إسقاط النازية شهد عودة النخبة المثقفة -وأحياناً بالأسماء نفسها- لأداء الأدوار ذاتها في إعادة صياغة خطاب التفوّق والعنف والكراهية.
مع ذلك، كان بريخت يعي بصورة جذرية خطورة دور المثقف الذي يضع لغته ومعارفه في خدمة النظام، وفق آلية تُحيل الأخطاء البنيوية إلى تعقيد المرحلة. وفي لغة "مؤجّر الرأس" تصبح الجرائم الإنسانية مجرّد تجاوزات أو حوادث، إذ يجيد هذا النوع من المثقفين تأجيل الأسئلة الجوهرية. وفي هذا السياق، قد يتحوّل إسقاط نظامٍ ما إلى مجرّد تبديل في أدوات إنتاج الخطاب.
بالعودة إلى الحالة السورية، حيث يتخذ نظامُ الحكم الجديد شكله، تبدو المفارقة أنَّ حضور الثقافة النقدية بات مرفوضاً بالمبدأ، لكن الرفض لا يأتي من النظام، بالقدر الذي يأتي من "الإنتلجنسيا" السورية نفسها. مع ذلك، ما يخبرنا به سياق الحالة السورية منذ عام 2011، يعيدنا إلى كلمات بريخت في قصيدته "في مديح الشك": "أنتَ، يا من تقود الناس، لا تنسَ/ أنك كذلك لأنك شككت في قادة آخرين/ فاسمح للذين يُقادون/ بحقهم في الشك".
* روائي سوري من أسرة العربي الجديد
