عربي
يبدو أنّ شرايين الطاقة التي تنزف في منطقة الخليج، وامتدت للعالم كله بفعل قصف حقول نفط وغاز وتعطيل تصدير النفط الخام وغلق مضيق هرمز، هي التي ستضغط وتحدّد موعد إيقاف الحرب المجنونة في إيران التي أشعلتها إسرائيل وأميركا، وألقت عليها طهران مزيداً من الوقود باستهداف المنشآت النفطية في الخليج وحاويات نفط.
ويبدو أن معركة التأمين على السفن هي التي ستغلق مضيق هرمز، وليس الحرس الثوري الإيراني الذي أعلن سيطرته على المضيق وقصف عشر ناقلات، وفق بيانه، لم تنصع لأوامره بعدما ألغت خمسة نوادٍ للتأمين البحري (P&I)، وهي شركات التأمين التي تغطي جميع السفن التجارية في العالم، تغطية مخاطر الحرب للخليج العربي هذا الأسبوع، وتشمل هذه النوادي: غاردنر، سكولد، نورث ستاندرد، نادي لندن للتأمين البحري، والنادي الأميركي.
وبدون هذه التغطية، لا يُسمح للسفن بالإبحار قانونياً، ولن تقبلها سلطات الموانئ، ولن تموّل البنوك شحناتها، وقد بدأ سريان إلغاء التغطية بالفعل يوم 5 مارس/آذار الجاري، كما ارتفعت علاوات مخاطر الحرب للسفن التي لا تزال تحاول العبور من 0.125% إلى 1% من قيمة هيكل السفينة خلال 48 ساعة، وبالنسبة لناقلة نفط تبلغ قيمتها 100 مليون دولار، يمثل ذلك قفزة من 125 ألف دولار إلى مليون دولار للرحلة الواحدة. وفرضت شركة هاباغ لويد رسوماً إضافية لمخاطر الحرب قدرها 1500 دولار لكل حاوية، وحذت شركة سي إم إيه سي جي إم حذوها، وترسو أكثر من 150 سفينة خارج المضيق، رافضة الدخول، وتوقفت حركة الملاحة تقريباً تماماً منذ يومَي 1 و2 مارس الجاري.
وارتفعت تكلفة شحن البضائع جواً من آسيا إلى أوروبا بنسبة 45% منذ بدء الحرب، أي أكثر من ضعف الزيادة في تكلفة الشحن من آسيا إلى الولايات المتحدة، وفقاً لريان بيترسن، الرئيس التنفيذي لشركة Flexport المتخصصة في الشحن والخدمات اللوجستية في سان فرانسيسكو. ووفقاً لخدمة تتبع السفن MarineTraffic، انخفضت حركة ناقلات النفط عبر المضيق بنسبة 90% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب. ويمر عبر تلك المياه التي يبلغ طولها 21 ميلاً 20% من إمدادات النفط العالمية، وكذلك 19% من الغاز الطبيعي المُسال العالمي، وكذلك 14% من المنتجات المكرّرة، وهي مخاطر ستضغط على واشنطن لوقف الحرب سريعاً.
أمن الطاقة جزء من المعادلة العسكرية
ولو عدنا إلى قضية "أمن الطاقة" في الخليج سنجد أنه بات جزءاً من معادلة المواجهة العسكرية، بعدما طالت الحرب، ووجهت ضربات مباشرة لقلب البنية التحتية للطاقة في الخليج، بخلاف غلق مضيق هرمز، ما يرفع الكلفة الاقتصادية للحرب ويضغط على العالم لإيقافها. فقد طاول القصف مصفاة رأس تنورة التابعة لشركة أرامكو السعودية، والتي تشكل محوراً أساسياً في منظومة الإمدادات العالمية للطاقة، وأكبر مرافق معالجة وتصدير النفط في العالم بطاقة تقارب 550 ألف برميل يومياً، واستُهدفت منشآت إنتاج الغاز في قطر، ولا سيّما مجمعا رأس لفان ومسيعيد، التابعان لشركة قطر للطاقة، وهما من أكبر مراكز تسييل الغاز عالمياً، وأعلنت شركة قطر للطاقة توقف إنتاجها في موقع رأس لفان، الذي ينتج 77 مليون طن من الغاز الطبيعي المُسال سنوياً.
وأكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن "إيران غير مسؤولة عن استهداف شركة أرامكو، وإنهم أبلغوا المملكة بذلك، ونقلت وكالة تسنيم الإيرانية عن مصدر عسكري أن المنشآت النفطية في الخليج "ليست ولم تكن ضمن أهداف هجمات إيران". والأرجح، لو صح النفي الإيراني، أن تكون إسرائيل وراء قصف رأس تنورة، في إطار محاولاتهم المستميتة لجر الرياض والخليج عموماً للحرب، بسبب استهداف ايران منشآت اقتصادية وليس القواعد الأميركية فقط.
وقصفت إسرائيل 50 خزان وقود جنوبي إيران، وقصفت إيران مصفاة حيفا التي تغذي نصف إسرائيل تقريباً، وهناك مخاطر من قصف جزيرة خرج التي تصدر 90% من نفط إيران، وهو ما تتحاشاه أميركا حتى الآن؛ لأن قصفها يضر العالم والغرب برفع أسعار النفط إلى أرقام خيالية، لكن لا يُعرَف إلى أين سيصل هذا الجنون؟ وتستحوذ قطر وحدها على نحو 20% من تجارة الغاز المُسال عالمياً، وهي مورد رئيسي لأوروبا وآسيا، لذا مع إعلان تعليق أو تعطل بعض العمليات في منشآتها، قفزت أسعار الغاز الأوروبية بنسبة تراوحت بين 40 و50% مسجلة أعلى مستوياتها منذ نحو عامين.
وارتفعت أسعار النفط ووصلت إلى حاجز 120 دولاراً للبرميل أمس، قبل أن تتراجع إلى 100 دولار وسط توقعات بأن يصل إلى 150 دولاراً للبرميل، بسبب المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من الاستهلاك النفطي العالمي يومياً، أي ما بين 20 و21 مليون برميل من الخام.
صدمة غازية ونفطية
يعني هذا توقع "صدمة غازية"، كما وصفتها صحيفة لوموند الفرنسية، إذ قفزت أسعار الغاز الأوروبية وفي آسيا، الأكثر عرضة للضرر في حال حدوث انقطاع في الإمدادات، بجانب "صدمة نفطية" لغلق مضيق هرمز ووقف انتقال الخام من مناطق الإنتاج لمراكز التوزيع، مع استمرار الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، ورد طهران بقصف كل شيء.
ومع أن استهداف إيران المتعمد لقطاع الطاقة هدفه إرسال رسالة واضحة عن قدرتها على فرض تداعيات اقتصادية عالمية، فسوف يضيف هذا بعداً خطيراً للصراع، ويفتح الباب أمام آثار اقتصادية عالمية مباشرة، وفق مركز سوفان للأبحاث الاقتصادية، إذ إنّ هذه الهجمات تؤدي إلى اضطراب في توازن العرض والطلب على النفط والغاز، خاصة في أوروبا وآسيا، مع زيادة المخاطر الاقتصادية والمالية. ويؤدي غلق مضيق هرمز لتضرر قطر والكويت والبحرين أكثر لافتقارهم إلى منافذ تصدير بديلة واسعة، أما العراق، فقد يواجه صعوبات إضافية بسبب محدودية طاقة خطه الشمالي عبر تركيا، وستتضرر السعودية أيضاً، لكن خط أنابيب شرق – غرب إلى البحر الأحمر، وخط أبو ظبي – الفجيرة، سيوفر لها بدائل جزئية بعيداً عن هرمز.
ومن الواضح أن تداعيات أزمة الغاز ستكون أشد عالمياً من تداعيات النفط، لأن بدائل أوروبا من الغاز، سواء من الولايات المتحدة أو شمال أفريقيا، ليست سهلة أو منخفضة التكلفة، ولأنّ جزءاً كبيراً من الطاقات الإنتاجية مستغل بالفعل في الشتاء، ما يجعل السوق أقل مرونة وأكثر حساسية لأي اضطراب في الإمدادات القطرية، لذا تحرك الأوروبيون لوقف الحرب أيضاً. إذ إن سوق الغاز أكثر توتراً للأوروبيين من سوق النفط، وأكثر حساسية لصدمات الإمدادات"، والاضطرابات قد تؤثر على جميع مشتري الغاز الطبيعي المُسال، وهو مورد لا تحتفظ الدول عادة باحتياطيات استراتيجية منه كما هو الحال مع النفط، بحسب تحليل شركة Oxford Economics للأسواق.
ويهيمن سؤال واحد على تجارة الغاز العالمية خلال الساعات الماضية وهو: متى ستتمكّن قطر من إعادة تشغيل أكبر منشأة لتصدير الغاز الطبيعي المُسال في العالم؟ لأن تأخر التشغيل بفعل الحرب له تداعيات اقتصادية عميقة تمتد من أوروبا إلى آسيا. وإذا استمر الإغلاق لأسابيع أو حتى أشهر، فستُجبر أوروبا وآسيا على التنافس على الكميات المحدودة من الإمدادات الفائضة المتاحة من مصادر أخرى، وهو ما سيدفع الأسعار حتماً إلى مستويات أعلى، وفق تقديرات وكالة بلومبيرغ.
هذا لا يعني أن النفط أقل شأناً، فلو استمرت الحرب وغلق مضيق هرمز لأكثر من ثلاثة أسابيع (ترامب حدّدها بأربعة) فسوف يستنفد منتجو النفط في دول مجلس التعاون الخليجي طاقتهم التخزينية وسيضطرون إلى إيقاف الإنتاج، لامتلاء الخزانات وعدم قدرتها على التصدير، ما سيجبرها على إغلاق الآبار وهو ما حدث فعلاً في الكويت. ويبدو أن عامل الزمن وطول فترة الحرب هو الحاسم، فإذا توقفت فقد تتمكن دول الخليج من احتواء تداعيات نزيف شرايين النفط مالياً بفضل احتياطاتها وصناديقها السيادية، أما إذا امتد لأشهر عدّة، فقد تتحول علاوة المخاطر المؤقتة إلى اختبار أعمق لقدرة المنطقة على حماية شريانها الاقتصادي في زمن الصواريخ. كما أن إغراق أميركا كل سفينة حربية بنتها إيران (أكدت إغراق 17 منها بالفعل) لن يحل مشكلة مضيق هرمز ولا تعطل التجارة العالمية وسفن الطاقة، فإذا استمر رفضت شركات التأمين إصدار بوليصة التأمين على السفن والحاويات، فلن يتحرك النفط.
