عربي
على مدار سنوات طويلة جسّدت المرأة الفلسطينية لوحة صمود وكفاح في أوقات الحروب والأزمات، خصوصاً خلال حرب الإبادة في غزة التي انطلقت في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 واستمرت عامين ويومين، وكانت الأقسى بكل المقاييس. ولم تكن المرأة في منأى عن الواقع المؤلم الذي خلّفته تلك الحرب، وأصبحت كثيرات المعيل الوحيد لعائلاتهن بعد استشهاد الزوج أو اعتقاله أو فقدانه.
عايشت آلاف النساء في قطاع غزة ظروف الحرب القاسية، وما نجم عنها من نزوح متكرر وتفشي الجوع وتردي المنظومة الصحية وصولاً إلى الظروف المعيشية السيئة. ورغم ذلك يكملن حياتهن داخل خيام مهترئة لا تقي حر الصيف وبرد الشتاء.
تمتد قصة كفاح آمنة إبراهيم منون (41 سنة)، وهي أم لسبع بنات وولدين، سنوات طويلة، فزوجها محمود سلمان منون (50 سنة) فقد بصره خلال عدوان عام 2014، حين أطلقت آلية للاحتلال قذيفة على منزل مجاور لمنزله في منطقة جباليا البلد شمالي قطاع غزة فأُصيب في عينه اليمنى، ثم سافر للعلاج وأجرى عملية زرع قرنية لم تنجح، وتدهورت لاحقاً حال عينه اليسرى وفقد بصره كلياً.
تقول آمنة لـ"العربي الجديد": "كان الانهيار العصبي أول ضربة لي حين كنت في العشرينيات، وحينها لم أملك وقتاً طويلاً للبكاء، إذ كان سبعة أطفال ينتظرون الطعام وزوج كفيف يحتاج إلى رعاية دائمة، فعملت في خدمة البيوت واعتنيت بمُسنّات مقابل أجرٍ بسيط. كافحت كثيراً خلال حياتي".
ومع كل عام يمضي تزداد حياة آمنة قسوة، فأحد أبنائها أُصيب عام 2018 برصاصة قناص إسرائيلي قرب الحدود الشرقية للقطاع. وفي العام ذاته انقطعت عنها مساعدة الشؤون الاجتماعية التي كانت تُعيل عائلتها منها. تقول لـ"العربي الجديد": "اضطررت وقتها إلى جمع البلاستيك والخبز الناشف وبيعه لتأمين قوت أطفالي". وبعدها كانت تخبز على فرنٍ صغير منذ الصباح حتى المغرب، وتجمع بالكاد بين 10 شيكلات و15 شيكلاً يومياً (الدولار يساوي 3.11 شيكلات). وخلال حرب الإبادة كانت ابنتها البالغة 17 عاماً تبيع الخبز. وقبل ثلاثة أشهر اعتُقل نجلها عبد الرحمن (20 سنة) حين ذهب ليجمع الحطب من أجل بيعه لمساعدتها في إعالة الأسرة.
ليست المرأة في غزة مجرد متضررة، بل فاعل رئيسي في إدارة الأزمة، وقد أثّرت الحرب بعمق على الاستقرار النفسي والاجتماعي لنساء غزة
وكانت آمنة قد نزحت من منزلها إلى جنوب القطاع في أكتوبر/ تشرين الأول 2024 وعاشت في خيمة لمدة 11 شهراً، ثم عادت ووجدت بيتها قد تعرّض للقصف، وانتهى بها المطاف في خيمة على شاطئ البحر غربي مدينة غزة. وقد استشهد زوج ابنتها فاطمة (21 سنة) فتكفلت نفسها بإعالة أطفال أبنتها، وجميعهم يعيشون في خيمة واحدة".
وكانت فاطمة قد فتحت بسطة صغيرة لبيع مواد التنظيف، لكن أشخاصاً لم يدفعوا لها مقابل مستلزمات اشتروها منها بسبب ضيق الحال، فعادت لتخبز مع والدتها في الفرن ذاته الذي تعتمد عليه كل العائلة. وتحكي فاطمة لـ"العربي الجديد": "نحن 14 فرداً نعيش في خيمة واحدة، ما يزيد الأعباء علينا جميعاً. أبكي كثيراً على حال أطفالي الذين حُرموا والدهم ونعيم الحياة، خصوصاً أنني لا أستطيع توفير احتياجاتهم".
تعيش هناء العطل (42 سنة) قصة كفاح أخرى. زوج هناء، علاء أبو جلالة، اعتُقل في 19 نوفمبر/ تشرين الثاني 2023 على حاجز نيتساريم وسط القطاع، خلال نزوحه من مخيم جباليا شمالي القطاع إلى جنوبه. تقول هناء لـ"العربي الجديد": "نزحت إلى منطقة مواصي خانيونس، ولا أزال أعيش في خيمة حتى الآن وظروفي صعبة في ظل غياب زوجي وتضاعف الأعباء الملقاة عليّ لإعالة أسرتي، وأنا أعتمد على التكيّات للحصول على الطعام". وتضم عائلة هناء 7 أفراد، من بينهم أمل التي وُلدت بعد شهرين من اعتقال زوجها، وعمرها اليوم سنتان، ولم تعرف أباها أبداً.
وبالانتقال إلى أسماء أحمد الهسي (39 سنة) فهي أم لأربعة أطفال أصغرهم عمره سنتان وأكبرهم 12 سنة، وقد اختفى زوجها إسماعيل الهسي (50 سنة) في 8 سبتمبر/ أيلول 2025 حين توجه من مكان النزوح إلى عيادة تابعة لمنظمة "أطباء بلا حدود" في منطقة حي الرمال وسط مدينة غزة لتلقي علاج في قدمه اليُمنى المصابة. ولم تعرف أي معلومات عنه منذ ذلك الحين.
تروي أسماء لـ"العربي الجديد" أن الأوضاع ساءت بعدما قصف الاحتلال منطقة الشاطئ، فنزحت مع عائلتها إلى دير البلح وسط القطاع حيث لا تزال تعيش هناك في خيمة مهترئة، وأنها أبلغت الصليب الأحمر ومؤسسات أخرى عن اختفاء زوجها، وتبلغت بعدم وجود بيانات له في سجون الاحتلال. وتقول: "فقدان زوجي قلب حياتي رأساً على عقب وجعل الأمور تتجه نحو الأسوأ حيث ألقيت كل الأعباء على عاتقي".
وتبدأ معاناة أسماء مع بزوغ صباح كل يوم حين تتوجه برفقة أبنائها للاصطفاف في طابور لتعبئة مياه، ثم تنتقل إلى طابور آخر على تكيّة للحصول على طعام كوجبة لإفطار عائلتها. وتقول: "لا نملك أي مصدر دخل".
وتواجه أسماء أيضاً تحدياً اجتماعياً آخر حين يسألها أطفالها عن مصير والدهم فلا تجد أي جواب، وتكتفي بالرد: "اصبروا سيرجع أبوكم". وهي تطالب كل المؤسسات والجهات المعنية بمحاولة معرفة مصير زوجها المفقود ومساعدتها في إعالة أسرتها في غيابه.
داخل أحد الصفوف المتضررة في حرم جامعة الأقصى بمحافظة خانيونس جنوبي القطاع، تعيش ليلى يوسف أبو عودة (45 سنة) مع أسرتها المؤلفة من سبعة أفراد، بعد رحلة نزوح بدأت في بيت حانون شمال القطاع. وتروي لـ"العربي الجديد" أن زوجها عايد محمد أبو عودة (56 عاماً) أُصيب بشظايا خلال قصف استهدف مدرسة نزحوا إليها في بلدة القرارة في 15 يناير/ كانون الثاني 2024، ما أدى إلى بتر قدميه تباعاً بعد إصابتهما بتسمّم حاد، ومنذ ذلك الحين تغيّرت حياة الأسرة بالكامل. وتقول لـ"العربي الجديد": "كان زوجي يوفر احتياجاتنا لكنه أصبح اليوم عاجزاً عن الحركة، والعبء ثقيل علي في ظل غياب أي مصدر دخل وحاجة زوجي إلى أدوية وعلاجات مستمرة وكرسي متحرك وسماعات طبية".
ولم تبدأ معاناة الأسرة مع هذه الحرب، فإحدى بناتها تعاني من مضاعفات إصابة قديمة أثّرت على بصرها، وتفاقمت حالتها خلال الحرب مع إصابتها بتشنجات، كما يعاني أحد أبنائها من مشاكل في السمع.
تبدأ ليلى يومها بتعبئة المياه مع بناتها، ثم تتولى التسوق وترافق زوجها إلى العيادة. وتعتمد الأسرة على التكية في توفير الطعام، فيما تلجأ مع بناتها لجلب بعض الأغراض وبيعها للحصول على مبلغ مالي بسيط لا يتجاوز عشرين شيكلاً من أجل تغطية بعض المصاريف. وتقول: "نريد أن يساعدنا أحد في كلفة علاج زوجي وابنتي وتوفير مصروف نعيش منه لأننا لا نملك أي دخل".
من جهته، يكشف مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، إسماعيل الثوابتة، في حديثه لـ"العربي الجديد"، عن أرقام صادمة حول واقع المرأة الفلسطينية منذ اندلاع الحرب في 7 أكتوبر 2023، ويؤكد أن النساء كنّ في صدارة الاستهداف والمعاناة. ويوضح أن عدد الأرامل يبلغ 21.193 خلال الحرب، واستشهدت أكثر من 12.500 سيدة، من بينهن أكثر من 9000 أم، وشكل الأطفال والنساء والمسنون أكثر من 55% من إجمالي عدد الضحايا.
ويشير إلى أن عشرات آلاف النساء أصبحن المعيل الوحيد لأسرهن في ظل انهيار اقتصادي شامل، بالتزامن مع وجود أكثر من 350 ألف أسرة تحتاج إلى إيواء، ونحو مليوني نازح، بينهم أكثر من نصف مليون امرأة ومليون طفل.
وتؤكد الاختصاصية الاجتماعية والنفسية غادة أبو القمبز، في حديثها لـ"العربي الجديد"، أن "المرأة الفلسطينية كانت عبر التاريخ ركيزة الصمود وحافظة الهوية وشريكة أساسية في بناء المجتمع، وتحوّلت خلال الحرب إلى المعيل الأول لكثير من الأسر بعد فقدان الأزواج أو إصابتهم".
وتوضح أن "الحرب فرضت على النساء أعباءً نفسية واجتماعية واقتصادية مضاعفة في ظل النزوح وتراجع الدخل وضعف الخدمات الصحية، ما أثّر بعمق على استقرارهن النفسي والاجتماعي. وقد أظهرت النساء قدرة كبيرة على التكيّف عبر مبادرات منزلية بسيطة، والمشاركة في العمل التطوعي، وتبادل الدعم داخل مراكز الإيواء، والاستمرار في رعاية الأطفال وتعليمهم". تضيف: "ينعكس استهداف النساء مباشرة على تماسك الأسرة والمجتمع، والمرأة في غزة ليست مجرد متضررة، بل فاعل رئيسي في إدارة الأزمة، وشريكة في إعادة البناء وصناعة الأمل".

أخبار ذات صلة.
الحرب الإيرانية تهدد رغيف التونسيين
العربي الجديد
منذ 20 دقيقة
ملف | حياة العرب في زمن الحرب: غلاء وقلق
العربي الجديد
منذ 21 دقيقة