عربي
حتّى قبل اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وإغلاق مضيق هرمز تحت وقع الهجمات الإيرانية على منابع النفط والغاز في الخليج، كانت أوروبا قد فقدت بالفعل مفهوم أمن الطاقة. ومنذ صحت الحكومات الأوروبية ومستهلكوها ذات يوم في عام 2022 على أنباء الغزو الروسي لأوكرانيا، أدركت المنطقة أن واردات الطاقة الروسية، التي اعتمدت عليها لعقود، قد ولت دون رجعة، سواء بفعل المقاطعة والعقوبات الغربية على موسكو، أو نتيجة لقرار موسكو نفسها بمنع النفط والغاز الرخيصَين عن خصومها من الدول الأوروبية.
على هذ الأساس يمكن القول إنّ أوروبا واقتصاداتها ونموها ستكون أكثر المتضرّرين من أزمة الطاقة التي تتهدد العالم لو استطال أمد الحرب وإغلاق مضيق هرمز. صحيح أن آسيا هي أكبر المستوردين للنفط والغاز القادمين من الشرق الأوسط، لكن الصحيح أيضاً هو أنّ الدول الآسيوية وفي مقدمتها الصين والهند لم تخسر إمدادات النفط الروسي والإيراني والفنزويلي على مدى الأعوام الماضية واستطاعتا بناء احتياطي منه، ولا تزالان قادرتَين على الحصول على المزيد من نفط روسيا وهو أمر غير مقدر للدول الأوروبية.
وقد بدأت دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي مثل سلوفاكيا والمجر في السعي للحصول على المزيد من إمدادات الغاز الروسي المُسال، ويبدو أن الأمر ذاته أصبح مغرياً لآخرين داخل الاتحاد.
ويتعيّن على دول الاتحاد الأوروبي إنهاء واردات الغاز الطبيعي المسال الروسي بحلول نهاية عام 2026، في حين يمكن أن تستمر تدفقات الغاز عبر الأنابيب حتى الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 2027 إذا واجهت دولة ما صعوبة في ملء مرافق التخزين بالغاز غير الروسي.
نقط ضعف وجودية
وتعد أسعار الطاقة المرتفعة، نقطة ضعف مزمنة بالنسبة للدول الأوروبية ومصدر تأثير سلبي على اقتصاداتها في السنوات الأخيرة، إذ تزيد أسعار الكهرباء فيها بكثير عن نظيرتها في الولايات المتحدة والصين. وقد أُغلِقت مصانع بعدما أصبحت تكاليفها غير اقتصادية، وتكرّرت الشكاوى من شركات عملاقة مثل باسف إس إي (BASF SE) ومن صناعات مثل صناعة الصلب، كما عبّر سياسيون عن قلقهم من أن طموحاتهم الاقتصادية للمنطقة قد تتعرض للتقويض بسبب هذه المشكلة.
وحسب تقديرات مركز أبحاث ستراتيجيك بيرسبيكتيفز، فقد ارتفعت أسعار الغاز في أوروبا هذا الأسبوع إلى أعلى مستوى لها في ثلاث سنوات. ومن المرجح أن تكون هذه القفزة قد أضافت ما لا يقل عن 1.3 مليار يورو (1.5 مليار دولار) إلى تكاليف الطاقة في القارة.
ورغم أن الأوضاع الراهنة، لا تزال أقل سوءاً من الأيام التي أعقبت الغزو الروسي لأوكرانيا، فالعواصم الأوروبية تبدو مشغولة بالبحث عن حلول قبل تدهور الوضع واحتدام السباق في أسواق الطاقة. وتتراوح المقترحات بين إلغاء الضرائب والتخلي عن سياسات المناخ المكلفة، غير أنّ منتقدين يقولون إنّ ذلك قد يعرّض قدرة أوروبا على خفض تكاليف الطاقة على المدى الطويل للخطر عبر إبطاء بناء مصادر الطاقة المتجدّدة.
ومن المقرّر أن يعقد قادة دول الاتحاد قمّة لهم في 19 مارس/ آذار الجاري، إذ سيطلبون من المفوضية الأوروبية اقتراح طرق لخفض الأسعار ومساعدة الصناعات. ويكفي إلقاء نظرة على القرارات التي تُتخذ في مكاتب الشركات لفهم حجم المخاوف. فالضغط الناتج عن تكاليف الطاقة يعيد تشكيل المشهد الصناعي، ويدفع الشركات إلى إبطاء الاستثمارات وتأجيل مشاريع إزالة الكربون ونقل قدراتها الإنتاجية إلى أماكن أخرى.
يجد الاتحاد الأوروبي نفسه عند مفترق طرق حاسم. فهو لا يحاول فقط إنقاذ الصناعات وتعزيز القدرة التنافسية ومواكبة ثورة الذكاء الاصطناعي، التي ستتطلب مراكز بيانات شرهة للطاقة، بل يسعى أيضاً إلى تعزيز قدراته الدفاعية بعملية إنتاج تتطلب مزيداً من الطاقة.
ولتحقيق هذه الأهداف، سيحتاج إلى كميات هائلة من الطاقة في السنوات المقبلة. وفي الوقت الحالي، ليس من الواضح ما إذا كان سيتمكّن من تأمين ما يكفي منها وبأسعار منخفضة.
وتتوقع وحدة التحليلات في بلومبيرغ ارتفاع الطلب النهائي على الكهرباء بنسبة 57% بحلول نهاية العقد مقارنة بمستويات عام 2024، وسيأتي الجزء الأكبر من هذا الطلب من السيارات الكهربائية، تليها مراكز البيانات، كما أن توقعات المفوضية الأوروبية تسير في اتجاه مماثل، في حين أن شهية الذكاء الاصطناعي المتزايدة للطاقة قد تجعل هذه التقديرات قديمة قريباً.
وقد تحولت أوروبا إلى حد كبير إلى الغاز الطبيعي المُسال المنقول بحراً لتعويض الإمدادات الروسية، ما جعلها أكثر عرضة لتقلبات أسواق الغاز الدولية. وقد ارتفعت التكاليف والمنافسة على الوقود بعد استهداف منشأة قطرية كبيرة للغاز الطبيعي المُسال في هجوم بطائرة مسيّرة إيرانية.
وقال دان يورغنسن، مفوض الطاقة في الاتحاد الأوروبي، في مقابلة مع بلومبيرغ أمس الجمعة: "ليست مشكلة انقطاع الإمدادات بحد ذاتها هي التي تخلق الأزمة. المشكلة الكبرى هي التأثيرات على الأسواق العالمية. وبالطبع فإنّ هذه التأثيرات تصيب أيضاً المستهلكين في أوروبا".
التوقعات تشير إلى أن سعر النفط، يتجه إلى سقف مئة دولار للبرميل، وسط مخاوف وتوجسات بأن يصل إلى 150 دولاراً، مذكراً بشبح الأزمة النفطية الأولى عقب حرب 1973، لو توقف الإنتاج في دول الخليج. الأمر نفسه تكرّر مع أسعار الغاز التي ارتفعت بمعدل 50% تقريباً منذ اندلاع المعارك وقرار قطر تعليق إنتاجها من الغاز.
ما يعمق أزمة أوروبا أيضاً هو وقوفها مكتوفة الأيدي في وجه الصراع الذي تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل عسكرياً وسياسياً، فيما تدفع أوروبا الثمن اقتصادياً. ويبدو أنّ الثمن سيتعاظم مع استمرار الارتباك الذي يغلف الأهداف السياسية الأميركية من الحرب.
