عن الناس والشهرة والمال وعبلة كامل
عربي
منذ 6 أيام
مشاركة
المال نعمة من الله للناس، والشهرة أيضاً قد تكون من نصيب الموهوب أو المجتهد أو الباحث أو اللاهث أو قليل الموهبة. وهناك فروق بالطبع بين هؤلاء قد تذهب بالتعساء إلى القتل والعياذ بالله. وآهٍ من موهبة رماها الله تحت أعتاب الموهوبين من الناس؛ تلك هي التي تُحيّر وقد تجلب الأحقاد. فما بالك لو كان الموهوب نزيهاً وخجولاً، ويعشق وحدته وبيته وما أنجزه واكتفى بذلك، بعيداً عن مساعدات المنتج أو المخرج أو المُعِدّ؟ في رمضان، يذهب الجميع إلى سوق المال، وبأيّ ثمن، وهذا بالطبع مع الشطارة وشفط الدهون و"الأونطة"، أو ذبح العجل أمام باب الفيلا أو باب مقام السيّدة نفيسة. الحياة لدى الناس، في ظلّ البحث عن غْرام الشهرة، لها من الأفانين الكثير، ولا مانع أيضاً من وجود مسبحة من أذربيجان مع المصحف قبل التصوير ومقعد الدرجة الأولى، مع حجز تذكرة بعد العيد بشهور لوضع المولود الأول أو الخامس في أميركا، وتلك بركة أخرى غير واردة في المصحف بالطبع. في رمضان وقبله بشهور تنشط التلفونات، ويرتفع ثمن المُعِدّ، وتعمّ البركة، وتنشط الكاميرات، وتنشط عيادات شفط الدهون وأدوات المكياج. تبلغ الشهرة لدى المساكين حدّ الهوس، وخاصّة في طريق شراء الياميش، وتكثر المقالب بمزاج الممثّلين تحت إشراف صحّي وتأمين الاستوديو، وينشط أيضاً قلم المحاماة، وينشط المشايخ كذلك لزوم مساندة الممثّلات أمام الألسنة الجاهلة من العامة. وتنشط الكاميرا وتزداد فلوس رامز عدداً. حتى النخبة أيضاً تدخل الدائرة على استحياء في دعوات أخرى؛ فالظروف صعبة، وخريطة الإنتاج محدودة جدّاً، ورمضان يحتاج إلى المزيد، والعيدية على الأبواب أيضاً وشراء الملابس. الفلوس بالتأكيد نعمة من الله، والمزاحمة على الشهرة محمودة أيضاً، والإعلانات مطروحة أمام عيون الجميع، والعاصمة الجديدة تفتح أبوابها للمفكّرين، والمال يدخل من تحت الأعتاب. فما بالك وأميركا قد انتبهت أخيراً لرأس مالها وأغلقت أبوابها، أو أوشكت أن تغلقها، أمام مواليد أهل السعد والمال. نحن في حسبة عالمية يكاد راكب البغلة التي تعثّرت في اليمن يحسّ بارتباكها صاحبُ دفتر الشيكات في الرياض أو مانهاتن. الموهوب، أو صاحب الموهبة، يخجل، كما خجل نجيب محفوظ، ولم يسافر خارج مصر إلا إلى اليمن وبأمر عسكري من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، ولم يرَ الصعيد طيلة حياته حتى مات. عبلة كامل لم تبحث عن الشهرة، ولكن الشهرة ومحبّة الناس سقطت لها من فوق شجرة محبّة الناس في رمضان من دون جهد أو شفط دهون. هل كانت عبلة تعي ذلك، أم ذلك هو نصيب الموهبة؟ ركع المال لها من دون تلفون من المنتج، لأنّها لا تستعمل، كما قيل، التلفون، ولم تذهب إلى باريس كي تنال الجائزة كما ذكر النُقّاد، واكتفت بحضورها إلى الاستوديو فقط. ولم ترسل بكاميرا حديثة إلى المخرج، ولا بمسبحة من أذربيجان إلى المُعِدّ، ولم تذهب بعجلين إلى مقام السيّدة نفيسة، رغم أن ظروف الإنتاج صعبة جدّاً ولم تعمل منذ سنوات، ولم تذهب إلى الرياض بمكياجها أو باريس بأرانبها الحرير وكلبها المدلل، ولكن لحقت بها الملايين. رغم أن عالمة طاقة نووية أُخرجت من سكنها بسبب الإيجار، فُتح لها باب المسنّات. واضح أن بورصة نيويورك تصبّ هي الأخرى في قهوة بعرة؛ تتعذّب الموهبة في مكانها، وتكثر العجول في الأسواق. الأسواق مبهجة، وخاصّة سوق الجمال في برقاش، وفلوس رامز في جيوب المطرب الشعبي كثيرة، ويحسده بعضهم، ويحسده رامز على لحمه الكثير. صار نجيب محفوظ في آخر أيامه داخل بدلته أرقّ من خيال يمشي بالكاد. كانت ضحكته آسرة في بعض المواقف، وعلي سالم بطوله الفارع يمرح في المكان ويلقي النكات، وقد نسي الجميع موت الكاتب الموهوب رضا هلال الذي كان بينهم. يبتسم نجيب محفوظ ويتأمّل من بعيد العطر الذي يأتيه، وكأنّه يخصّه بالرسالة. الموهبة تستحي وتخجل وتتوارى من بعيد، مثل خجل محفوظ رغم فطنته بدلالة العطر، مثل موت رضا هلال الغامض والواضح أيضاً، مثل صمت النخبة المريب، مثل خجل عبلة كامل في بيتها، مثل وحدة الجاحظ وأبي حيان التوحيدي، مثل عزلة الفنّانين الممسوسين، مثل اكتفاء محمود المليجي بموهبته، واكتفاء محمود مرسي بكبريائه الحميدة، حينما ردّ عليهم بعدم رغبته في نيل الجوائز بما معناه أن الفلاح في زرعه يفعل أجمل ممّا أفعل، ومثل خجل عبلة كامل وهي تحمل محبّة الناس كي تعود ثانية إلى وحدتها.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية