انسداد ممر الحياة عبر مضيق هرمز
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
كما كان لحرب روسيا على أوكرانيا في فبراير 2022 تأثير مباشر في ارتفاع أسعار الغذاء عالمياً بسبب تأثيرها في إمدادات الحبوب وزيوت الطعام والأسمدة الزراعية من كلا البلدين، سيكون للحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران تداعيات خطيرة على السوق العالمي للسلع الغذائية، بسبب تأثيرها المباشر في تجارة الغاز الطبيعي والأسمدة الزراعية من إيران ودول الخليج. فالعلاقة بين الغاز الطبيعي والأسمدة الزراعية والإنتاج الغذائي لصيقة بدرجة معقدة وعجيبة، حيث يدخل الغاز الطبيعي بنحو 65% من تكلفة إنتاج الأسمدة الأزوتية، وتشارك الأسمدة بنحو 15% من تكلفة إنتاج المحاصيل، ولكنها تزيد الإنتاجية الزراعية بمعدل 35%. هرمز ممر الطاقة لا يكمن الخطر الرئيسي في الخسارة المحتملة للإنتاج فحسب، ولكن الأهم من ذلك، توقف الملاحة البحرية في مضيق هرمز. وهو ممر مائي ضيق يقع بين إيران وعمان، ويربط الخليج العربي بخليج عمان، وهو الممر البحري الوحيد من الخليج العربي إلى المحيط المفتوح. وتحيط إيران بالخليج العربي من الشمال والشمال الشرقي والشرق، ومن الجنوب الشرقي والجنوب عُمان والإمارات، ومن الجنوب الغربي والغرب قطر والبحرين والسعودية، ومن الشمال الغربي الكويت والعراق. ويُعتبر مضيق هرمز من أكثر نقاط الاختناق البحرية الاستراتيجية أهمية في العالم. فيبلغ عرضه في أضيق نقطة 21 ميلاً فقط، ولا يتجاوز عرض الممر الملاحي في كلا الاتجاهين ميلين. ويعبر المضيق نحو 20 مليون برميل من النفط الخام يومياً، أي ما يعادل 20% من الاستهلاك العالمي، وفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأميركي. ويتجه نحو 80% من هذه التدفقات إلى دول شرق آسيا، مركز إنتاج الأرز والذرة والقمح. وتضخ إيران وحدها ما يصل إلى نحو 3.5 ملايين برميل من النفط الخام يومياً، أي نحو 3% من الإمدادات العالمية، ومعظمها متجه إلى الصين. كذلك يمر عبر المضيق 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية. ومن المتوقع أن يؤثر إغلاق المضيق بشكل كامل في 11 مليون برميل يومياً مع الأخذ بالاعتبار خطوط الأنابيب البديلة، وتوريد الولايات المتحدة بكامل طاقتها. والنتيجة ستكون ارتفاعاً فورياً في أسعار النفط والغاز العالمية، حيث سيقفز سعر النفط الخام إلى 140 دولاراً للبرميل، وستتضاعف أسعار الغاز الطبيعي المسال أربع مرات لتتجاوز 40 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، ما سيؤدي إلى صدمة مماثلة للآثار المباشرة لغزو روسيا لأوكرانيا. وستكون أوروبا وآسيا في قلب أزمة الغاز المسال، لكونهما من كبار مشتري هذا الغاز. ففي عام 2025، جاء نحو ربع إمدادات الغاز في أوروبا على شكل غاز طبيعي مسال. مع العلم أن مستويات تخزين الغاز انخفضت في أوروبا بعد شتاء بارد. وعلى النقيض من ذلك، تتمتع الولايات المتحدة بوضع ممتاز بكونها مصدراً للغاز الطبيعي المسال بعد ثورة الغاز الصخري التي شهدتها خلال العقدين الماضيين. لذلك تتعرض للنقد لأنها تخوض الحرب على إيران دون اعتبار لتخوف الحلفاء في أوروبا وآسيا من أزمة الطاقة المتوقعة، وخصوصاً في الغاز الطبيعي والأسمدة المرتبطة بها. ممر اليوريا العالمية وفقاً لمركز دراسات اليوريا، تصدر دول الخليج العربي غرب مضيق هرمز 45% من صادرات اليوريا العالمية. وتتصدر قطر الدول المصدرة لليوريا بنسبة 11% من صادرات اليوريا العالمية، ثم السعودية بنسبة 8%، وإيران بنسبة 11%. ولدى إيران تاريخ في تقييد ومنع حركة السفن عبره خلال أوقات النزاع، ما يجعل أسعار البترول والغاز والأسمدة عرضة للانفجار بشكل مثير، لكونه طريق العبور الوحيد لكمية كبيرة من الغاز الطبيعي والأسمدة الزراعية النيتروجينية والفوسفاتية والكبريتية ذات الأهمية العالمية، من الدول الواقعة غرب المضيق، بما في ذلك السعودية وقطر وإيران والكويت والإمارات والعراق. في رد فعل أولي على الهجوم الأميركي الإسرائيلي المشترك على إيران والمخاوف بشأن تدفقات النفط الخام من الشرق الأوسط، ارتفعت أسعار النفط الخام بنسبة 12% إلى 82 دولاراً للبرميل في بداية تعاملات يوم الاثنين، بعد تعرض ثلاث سفن على الأقل للهجوم بالقرب من مضيق هرمز، وارتفعت أسعار الغاز في أوروبا بنسبة 50% بعد أن أوقفت شركة قطر للطاقة، إحدى أكبر الشركات المصدرة للغاز في العالم، الإنتاج عقب هجمات عسكرية على إحدى منشآتها. ويعني هذا توقف 20% من إنتاج الغاز الطبيعي المسال العالمي دفعة واحدة، وهو ما سيُحدث تغييراً جذرياً في السوق إذا استمر لفترة طويلة. قد نكون ما زلنا بعيدين عن منطقة "صدمة النفط". ولكن يُعدّ ارتفاع السعر في الأسبوع الأول من الحرب كبيراً، ولا سيما أن السعر كان 62 دولاراً في بداية هذا العام، ويجب التذكير بأن السعر وصل إلى 125 دولاراً بعد فترة وجيزة من الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، ثم استمر عند أكثر من 100 دولار لمدة ثلاثة أشهر. والنقطة الأساسية أنه لا يمكن تحويل الغاز الطبيعي المسال القطري عبر خط الأنابيب، كما هو الحال بالنسبة إلى النفط السعودي؛ إذ يجب أن يمر عبر نقطة الاختناق في مضيق هرمز، حيث توقفت الملاحة تقريباً. ويتوقع خبراء الطاقة أن ترتفع أسعار الغاز في أوروبا إلى 130% إذا انقطعت تدفقات الغاز عبر مضيق هرمز لمدة شهر كامل، وهو الحد الذي وصلت إليه بسبب الحرب في أوكرانيا عام 2022. أما محاولة تغيير النظام في إيران فتُنذر بتكرار أزمة الطاقة الأوروبية ولكن بشكل أسوأ. تداعيات إغلاق هرمز لطالما أدى الارتفاع في أسعار النفط والغاز الطبيعي إلى زيادة أسعار القمح والذرة والشعير وفول الصويا والأعلاف، فضلاً عن السلع الغذائية الحيوانية والنباتية بشكل عام. وفي الأيام الأولى من حرب روسيا على أوكرانيا، زادت أسعار اليوريا من 400 دولار للطن إلى 900 دولار، وارتفعت أسعار القمح من 220 دولار قبل الحرب إلى 500 دولار للطن. وارتفعت أسعار الذرة وفول الصويا بنحو ذلك. ويقول خبراء سلاسل الإمداد، إن الخطر الأكبر على الأمن الغذائي العالمي يكمن في تدهور الأمن في الخليج، ووقف إيران فعلياً عبور البضائع عبر هرمز لمدة أطول من أسبوع إذا رأى النظام أن بقاءه على المحك. ومن المرجح أن يتسبب ذلك في إلحاق أضرار بالبنية التحتية النفطية الإيرانية. وبعد إغلاق مضيق هرمز، أصاب سوق الأغذية العالمية قلق وذعر كبير، فارتفعت أسعار العقود الآجلة للقمح والذرة والبذور الزيتية بشكل ملحوظ عند افتتاح التداولات مساء اليوم نفسه. يولي المنتجون الزراعيون اهتماماً كبيرا بحركة السفن عبر مضيق هرمز، ليس لأنه من أكثر الممرات المائية أهمية وازدحاماً لشحنات النفط والغاز العالمية فقط، ولكن لأنه كذلك نقطة اختناق رئيسية لشحنات الأسمدة الزراعية. ويتزايد الطلب على اليوريا للأغراض الزراعية بمعدل 2% سنوياً، مدفوعاً بالطلب العالمي المتزايد على الغذاء، الذي يتوقع أن يزداد الطلب عليه هو الآخر بنسبة 60% بحلول عام 2050، مع توقع زيادة السكان إلى 10 مليارات نسمة، ما يجعل صناعة اليوريا الاستثمار الأمثل للغاز. وعلى الرغم من انخفاض أسعار النفط في سنة 2015 بمعدل 60% والغاز 50%، لم تنخفض أسعار اليوريا بأكثر من 5% فقط. وذكرت بلومبيرغ غرين ماركتس أن أسعار اليوريا في مصر، وهو السماد النيتروجيني الأكثر استخداماً في الزراعة وبالغ الأهمية لمحصول الذرة وغيره من المحاصيل، ارتفعت بمقدار 60 إلى 80 دولاراً للطن المتري منذ الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، وأن المشترين يبحثون بالفعل عن موردين غير مصر. وبالنسبة إلى صادرات الأسمدة الفوسفاتية، شكلت صادرات المنتجين غرب مضيق هرمز 15% من الصادرات العالمية. وتُعد السعودية من أكبر المصدرين عالمياً بنسبة 15%. وتستورد الولايات المتحدة 60% من منتجات الفوسفات المُعالجة من المملكة. وفي حرب يونيو الماضي، ظل مضيق هرمز مفتوحاً، ورغم ذلك تأثر الإنتاج بالفعل، حيث توقف إنتاج الأمونيا في إيران، وكذلك إنتاج اليوريا في مصر والبوتاس في الأردن، وهما اللذان يستوردان الغاز الطبيعي من إسرائيل. لذلك، إن اتخاذ إيران قراراً استراتيجياً بغلق المضيق، من شأنه أن يُضاعف كثيراً من تأثير ذلك في أسواق أسمدة النيتروجين والفوسفات والكبريت، وفي أسعار السلع الغذائية حول العالم بدرجة قد لا تقل عن تلك التي صاحبت الحرب على أوكرانيا في سنة 2022. 

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية