عربي
لم تعد كرة القدم كما عرفناها قبل عقدٍ من الزمن، لأن اللعبة التي كانت تقوم على سلطة الحكم وحدسه وسرعة قراره، دخلت مرحلة جديدة عنوانها التكنولوجيا والانضباط الزمني الصارم. وبعد التعديلات الأخيرة، التي أقرّها الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا)، لم تعد القوانين الجديدة مجرد تنقيحات تقنية عابرة، بل محاولة واضحة لإعادة صياغة إيقاع اللعبة الشعبية الأولى في العالم، وضبط فوضى الوقت الضائع، وتقديم نسخة أكثر عدالة وأسرع حسماً في عالم بات لا يحتمل الانتظار الطويل.
ومنذ إدخال تقنية حكم الفيديو المساعد (فار)، انقسمت المدرجات كما انقسمت الاستوديوهات التحليلية، لأن هُناك من يرى في هذه التقنية اعتداءً على عفوية اللعبة وسرعتها، وأن لحظة الصراخ بالهدف لم تعد نقية كما كانت، بعدما صارت معلّقة بانتظار إشارة من غرفة مظلمة مليئة بالشاشات، فيما يصفها آخرون بأنها "العين الثالثة، التي أنقذت بطولات من أخطاء جسيمة، وقلّصت مساحة الظلم التحكيمي التي كانت تترك جراحاً مفتوحة في ذاكرة الجماهير لسنوات. والحقيقة ربما تقف في المنتصف؛ فالـ"فار" لم يُنهِ الجدل، لكنه أعاد تعريفه، ونقل المسؤولية من فرد إلى منظومة كاملة.
اليوم، ومع اقتراب انطلاق كأس العالم 2026، تبدو (الفيفا) عازمة على المضي أبعد من مجرد المراجعة بالفيديو، لأن هناك تركيزاً واضحاً على محاربة إهدار الوقت، تلك الظاهرة التي تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى سلاح تكتيكي مشروع لدى بعض الفرق. وفرض مهلة قصيرة لتنفيذ رميات التماس وركلات المرمى، وتشديد الرقابة على زمن التبديلات، وإجبار اللاعب الذي يتلقى العلاج داخل الملعب على البقاء خارجه لفترة محددة، كلها رسائل تقول إن زمن التلاعب بالإيقاع يقترب من نهايته.
هذه القرارات قد تبدو قاسية للبعض، لكنها تعبّر عن فلسفة جديدة: كرة القدم يجب أن تُلعب أكثر مما تُدار. الجمهور لا يدفع ثمن التذكرة أو الاشتراك ليشاهد لاعباً يربط حذاءه ببطء مدروس، أو حارساً يسقط كل بضع دقائق لالتقاط أنفاس فريقه، واللعبة في جوهرها حركة مستمرة، صراع مفتوح، ونسق لا ينقطع إلا للضرورة.
إن التوسّع في صلاحيات الـ"فار" وإدخال كاميرا مثبتة على الحكم، وتطوير تقنية التسلل شبه الآلي، تُعد خطوات تعكس إيماناً بأن التكنولوجيا باتت جزءاً لا يتجزأ من مستقبل اللعبة، لكن السؤال ليس هل نريد التكنولوجيا أم لا؟ بل كيف نُحسن استخدامها من دون أن تبتلع روح اللعبة، فالإفراط في التدخل قد يحوّل المباراة إلى سلسلة من المراجعات الباردة، بينما الاستخدام الذكي والسريع يمكن أن يمنحها دقة أكبر من دون التضحية بالإثارة.
في رأيي، نحن أمام مرحلة انتقالية لا تقل أهمية عن التحوّل من الهواية إلى الاحتراف. كرة القدم تتغيّر لأن العالم تغيّر؛ الجمهور أسرع، والإعلام أكثر حدّة، والقرارات تُحلَّل في جزء من الثانية عبر آلاف الزوايا. ولم يعد الخطأ يمرّ بسهولة، ولم تعد العشوائية مقبولة كما كانت، ومع ذلك، يبقى التحدي الحقيقي في تحقيق توازن دقيق بين العدالة والمتعة، بين التقنية والإحساس، بين النظام والعفوية.
كأس العالم 2026 ستكون الاختبار الأكبر لهذه "الثورة الهادئة". هناك فقط، على أرض الملعب، وتحت ضغط المباريات الكبرى، سنكتشف إن كانت هذه التعديلات قد نجحت فعلاً في منح اللعبة مزيداً من العدالة والإثارة، أم أنها ستفتح باباً جديداً لجدل لا ينتهي. كرة القدم، في النهاية، لا تعيش بالقوانين وحدها، بل بالشغف الذي يملأ المدرجات.. وأي تعديل لا يحافظ على هذا الشغف، لن يكتب له البقاء طويل.

أخبار ذات صلة.
الحرب الإيرانية تهدد رغيف التونسيين
العربي الجديد
منذ 20 دقيقة
ملف | حياة العرب في زمن الحرب: غلاء وقلق
العربي الجديد
منذ 21 دقيقة