ماذا أقول لولدي محمد؟
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
يحلم كل أبٍ بمستقبلٍ واعد لأبنائه، وأن تكون تجربتهم في الحياة أقلّ وعورةً وأكثر قدرةً على تحقيق الطموحات. دور الأب أن يعمل ويحفّز ويشجّع، وأن يفرح حين يسمع ابنه يتحدث عن مهنته التي يريدها في الغد. لكن هذا الحلم البسيط يصبح أكثر تعقيداً حين تكون لاجئاً فلسطينياً في لبنان. حين تخبرني، يا محمد، عمّا تريد أن تكون عليه مستقبلاً، أشعر بفرحٍ يخالطه حزنٌ ثقيل. المهن التي تحلم بها — الهندسة، الطب، الانتساب إلى الجيش — هي في هذا البلد أبوابٌ موصدة أمامك، لا لشيء سوى لأنك لاجئ. لقد ورثتُ اللجوء عن أبي كما أورثك إياه اليوم قسراً، ومعه ورثنا الحرمان ذاته من حقوقٍ أساسية. لا أخشى على طموحك من القيود القانونية وحدها، بل من مناخٍ ترتفع فيه أحياناً نبرة الكراهية تجاه الفلسطيني. في بلدٍ تُقسَّم فيه الوظائف وفق التوازنات الطائفية، حتى في أبسط المواقع، يصبح الغريب خارج المعادلة. الخوف من ضياع حقوق الطوائف يطغى على كل شيء، فكيف بمن لا ينتمي إلى أيٍّ منها؟ أبتسم لك وأشجّعك حين تحدّثني عن مستقبلك، وأخفي في قلبي خوفاً من لحظة اكتشافك الحقيقة. أخشى أن تصطدم أحلامك بجدار الواقع، كما اصطدم به كثير من شباب المخيمات الذين دفعوا أعمارهم ومدّخراتهم في محاولات الهجرة عبر طرقٍ خطرة، بعضهم عاد خائباً بعدما خسر كل شيء، وبعضهم أعاد المحاولة مرةً بعد أخرى هرباً من هذا الواقع. ربما يبقى حالنا كما هو إلى أن نعود إلى فلسطين، لكن لا تجعل ذلك سبباً للتوقف عن الحلم. نحن أبناء رحلةٍ بدأت منذ النكبة تداعيات هذا الوضع لم تعد اقتصادية فقط، بل صارت تمسّ البنية الاجتماعية نفسها. البطالة، وارتفاع تكاليف الزواج، وسفر الشباب، كلها عوامل تهدّد بتأخير تكوين الأسر في المخيمات، وتفتح أسئلةً موجعة عن المستقبل. تردّدت كثيراً قبل كتابة هذه الكلمات، وربما أتمنى ألا تقرأها الآن. لكن هذه طبيعة الكاتب؛ حين تسيطر عليه الفكرة تتحول إلى حروف. وإذا وصلت إليك يوماً، فسأقول لك: لا تيأس. تعلّم ما تحب، واسعَ إلى ما تريد أن تكونه. لبنان ليس نهاية الطريق، وأرض الله واسعة، وربما نجد فرصتنا في مكانٍ آخر، وربما نعود إلى وطننا فلسطين، إلى عكّا. ستسمع كثيراً من الكلام الذي يدعوك إلى اختيار ما هو "مسموح" لا ما تحب، كما سمعتُ أنا يوماً. ومع ذلك وجدتُ طريقي إلى الإعلام من بوابة الأدب، بفضل مؤسسات فلسطينية فتحت أبوابها لنا رغم القيود. لم أكن أحلم أن أعمل في وسائل إعلام لبنانية، لكن للحياة مساراتها غير المتوقعة. قد لا تجد ترحيباً واسعاً في مجتمعٍ يثقل كاهله الانقسام، لكن ستجد دائماً قلةً ترى في الإنسان إنساناً قبل أيّ انتماء، فاجعل منهم نافذة الأمل. ربما يبقى حالنا كما هو إلى أن نعود إلى فلسطين، لكن لا تجعل ذلك سبباً للتوقف عن الحلم. نحن أبناء رحلةٍ بدأت منذ النكبة، هُجّرنا قسراً، وربما نغادر اليوم طوعاً بحثاً عن حياةٍ أوسع. لا تيأس يا محمد. تعلّم ما تحب، وامضِ نحو العالم بثقة. فالحلم الذي يُؤجَّل لا يموت، والوطن الذي يسكن القلب لا يُغلق أبوابه.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية