عربي
في علم الحروب، لا تبدأ المعركة يوم تُطلَق الرصاصة الأولى، بل يوم تُرسَم ملامح "اليوم التالي".
فالمبدأ الحاكم لأيّ عملية عسكرية يقوم على حساب الاحتمالات: ماذا سيحدث أثناء التنفيذ؟ وماذا سيحدث بعده؟ إذ إنّ النصر العسكري، إن لم يُترجَم إلى صورة مستقرة لليوم التالي، قد يتحوّل إلى عبءٍ سياسي وأمني.
في المواجهة الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يبدو أنّ واشنطن دخلت المعركة من دون تصوّر مُكتمل لشكل المرحلة التالية أو آليات إدارتها. قد تُتقَن الضربات، لكن السؤال يبقى: من يملأ الفراغ إن حدث؟ وكيف يُدار التوازن بعد إزاحة رأس السلطة؟
إذا عدنا إلى التجربة الأميركية في فنزويلا، نجد نموذجاً مختلفاً. هناك، وبحكم القرب الجغرافي وتشابك المصالح، امتلكت واشنطن قدرة أكبر على ضبط إيقاع "اليوم التالي". لم يكن الهدف إسقاط النظام بكلّ أركانه، بل تنحية رأس السلطة مع الإبقاء على البنية الحاكمة بما يسمح بعقد تفاهمات أمنية واقتصادية. وفي الوقت ذاته، حافظت الولايات المتحدة على صلات وثيقة مع أطراف في المعارضة الفنزويلية لاستخدامها عند الحاجة، لكنها أحجمت عن الاستعانة بها تجنّباً للدفع نحو صراع داخلي شامل، لأنّ الفوضى لم تكن جزءاً من الهدف الاستراتيجي.
إن لم يُترجَم النصر العسكري إلى صورة مستقرة لليوم التالي، قد يتحوّل إلى عبءٍ سياسي وأمني
في الحالة الإيرانية، حاولت واشنطن، ومعها تل أبيب، استنساخ فكرة "تصفية الرأس" أملاً في تسوية تنبع من الداخل. غير أنّ المشهد، حتى اللحظة، لا يرسم ملامح واضحة لحلٍّ سياسي. فالتجارب القريبة أظهرت أنّ تدمير بعض المواقع أو إضعاف مفاصل معينة لا يكفي لتغيير المعادلة السياسية.
الدرس الذي لم يُستوعَب تماماً أنّ إسقاط الأنظمة من الجو وحده بالغ الصعوبة. فالتاريخ يُظهر أنّ أيّ تغيير جذري يحتاج إلى قوّة على الأرض: إمّا انقسام داخل النظام نفسه، أو تمرّد عسكري داخلي، أو قوّة خارجية مُنظّمة قادرة على ملء الفراغ. الضربة الجوية قد تُضعف، لكنها لا تُدير دولة.
في المقابل، لم تتعامل طهران، على ما يبدو، مع دروس الاختراقات الأمنية بقدرٍ كافٍ من الجدية. فحين يصبح الاختراق عميقاً ومُتكرّراً، لا يعود كافياً الاكتفاء بردات فعل ظرفية. كان المطلوب إعادة نظر شاملة في البنية الأمنية، وآليات الحماية، وتدوير المواقع الحساسة.
بالعودة إلى حيثيات "اليوم التالي"، لا يزال دونالد ترامب، ومعه بنيامين نتنياهو، يدعوان الشعب الإيراني إلى استغلال ما يُسمّى "الفرصة المتاحة" للتحرّك ضدّ نظام الحكم القائم. غير أنّ هذا الطرح ينطوي، عملياً، على احتمال انزلاق نحو مزيد من الفوضى؛ فبينما يبدو أنّ نتنياهو لا يمانع في توظيف الفوضى كورقة ضغط، يسعى ترامب إلى تجنّب انفلاتٍ واسع يصعب احتواؤه.
تدمير بعض المواقع أو إضعاف مفاصل معينة لا يكفي لتغيير المعادلة السياسية
في المقابل، بدأ ترامب يتحدّث عن معرفته أو تصوّره لمن يمكن أن يتولّى القيادة في المرحلة المقبلة. ومن المرجّح أن تحاول واشنطن اللعب على التناقضات داخل البيت الإيراني، ولا سيما بين التيارَين الإصلاحي والمحافظ، أملاً في إعادة ترتيب المشهد من الداخل. ومع ذلك، فإنّ أيّ قيادة مقبلة (إن تشكّلت) ستكون على الأرجح من ضمن النخبة الموجودة فعلياً على الأرض، لا قفزةً إلى بديلٍ مستورد.
وفي إطار محاولة تغطية مختلف السيناريوهات، جرت لقاءات واتصالات مع أطراف من المعارضة الإيرانية، كما طُرحت أسماء من العهد السابق، في إشارة إلى سعي واشنطن لإبقاء كلّ الخيارات مفتوحة، وأن تكون حاضرة في أيّ مسار قد يفضي إلى إعادة تشكيل السلطة.
هكذا يبقى السؤال الأهم: هل يكفي إسقاط رأس القيادة لولادة نظام جديد؟ أم أنّ المعادلة أعقد من ضربة دقيقة وبيان سياسي؟
التاريخ القريب يجيب بأنّ المعارك لا تُحسم في السماء وحدها، بل على طاولة السياسة دائماً. و"اليوم التالي"، لا الضربة الأولى، هو ما يكتب الفصل الأخير.