جوائز غويا السينمائية... فيلم ونبرة سياسية يهيمنان
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
لم يكن من الصعب توقّع ملامح جوائز غويا لعام 2026، التي احتفلت بدورتها الأربعين أمس السبت، في مدينة برشلونة، إذ بدا منذ أشهر أنَّ المنافسة ستنحصر بين عملين شغلا النقاش السينمائي طوال العام. غير أن ما حدث في حفل توزيع الجوائز أكّد أن السباق لم يكن متكافئاً تماماً، بعدما فرض فيلم "لوس دومينغيز" (Los domingos) نفسه فائزاً أكبر بلا منازع، تاركاً بقية الأعمال تتقاسم الفتات. يروي الفيلم، الذي أخرجته الإسبانية ألاودا رويز دي أثوا، قصة فتاة مراهقة تعلن رغبتها في أن تصبح راهبة، في قرار يهزّ عائلتها ويكشف تناقضاتها. يبدو أن هذا الطرح الهادئ، الذي يعتمد على الإصغاء بدل إصدار الأحكام، قد منح العمل خصوصيته، وأكد أن الجمهور لا يزال متعطشاً لسينما تحترم ذكاءه. هكذا، تُرجم نجاح "لوس دومينغيز" إلى خمسة من أبرز الجوائز: أفضل فيلم، وأفضل إخراج، وأفضل سيناريو أصلي، وأفضل ممثلة رئيسية لـ باتريسيا لوبيث أرنايث، وأفضل ممثلة مساعدة لـ ناغوري أرانبورو. هذا الفوز لمخرجة الفيلم حمل دلالة رمزية، إذ أصبحت رويز دي أثوا رابع امرأة فقط تنال جائزة أفضل إخراج في تاريخ الجائزة. في المقابل، خرج فيلم "سيرات" (Sirat) للمخرج أوليفر لاكسي بصورة مختلفة. فرغم أنه لم يحصد الجوائز الكبرى، تصدّر قائمة الأعمال الأكثر تتويجاً عددياً، بعدما حصد ست جوائز تقنية: أفضل تصوير سينمائي، وأفضل مونتاج، وأفضل صوت، وأفضل إدارة إنتاج، وأفضل إخراج فني، وأفضل موسيقى أصلية. وهو ما يعكس تقديراً واضحاً لجانبه الفني، خاصة بعد حضوره الدولي اللافت وترشيحه لجوائز الأوسكار.         View this post on Instagram                       A post shared by @celebrities4palestine هذا التباين أعاد طرح نقاد السينما سؤالاً يتكرّر كل عام تقريباً: هل يؤدي "التصويت التراكمي" إلى ظلم بعض الأعمال؟ وهل كان من الممكن توزيع الجوائز توزيعاً أكثر توازناً، يمنح "سيرات" مثلاً جائزة الإخراج، ويترك الجائزة الكبرى لفيلم "لوس دومينغيز"؟ كذلك، برز فيلم "الصماء" (Sorda) واحداً من أهم مفاجآت الموسم، فحصد ثلاث جوائز، بينها أفضل مخرج جديد للمخرجة إيفا ليبرتاد. غير أن اللحظة الأكثر تأثيراً جاءت مع فوز الممثلة ميريام غارلو، التي أصبحت أول ممثلة صمّاء تنال جائزة غويا، في خطاب مؤثر دعت فيه إلى الاعتراف بحقوق ذوي الإعاقة وأهمية التواصل الإنساني. وفاز ألفارو ثيربانتس بجائزة أفضل ممثل مساعد عن الفيلم نفسه، مؤكداً قوة العمل على مستوى الأداء. ولم تخلُ الليلة من مفاجآت محدودة، أبرزها فوز فيلم "العشاء" (La cena) بجائزة أفضل سيناريو مقتبس بتوقيع خواكين أوريستريل ومانويل غوميث بيريرا ويولاندا غارسيا سيرانو، وحصد الفيلم جائزة أفضل تصميم أزياء، بينما فاز فيلم "الأسير" (El cautivo) بجائزة أفضل مكياج وتصفيف شعر. وذهبت جائزة أفضل ممثل رئيسي إلى خوسيه رامون سورويث عن فيلم "ماس بالوماس" (Maspalomas)، في فوز كان متوقعاً إلى حد كبير. وفي فئة أفضل ممثل واعد، فاز أنطونيو فرنانديث غاباري عن فيلم "مدينة بلا حلم" (Ciudad sin sueño). وفي فئة المؤثرات البصرية، فاز فيلم "النمور" (Los tigres)، في حين توزعت بقية الجوائز التقنية بين عدد من الأعمال، ما عكس تنوعاً في مستويات الإنتاج. في الفئات الأخرى، فاز فيلم "أمسيات الوحدة" (Tardes de soledad)، بجائزة أفضل فيلم وثائقي، بينما ذهبت جائزة أفضل فيلم رسوم متحركة إلى "ديكور" (Decorado)، أما جائزة أفضل فيلم أوروبي، فكانت من نصيب الفيلم النرويجي "قيمة عاطفية" (Valor sentimental)، في حين فاز فيلم "بيلين" بجائزة أفضل فيلم الإيبيري-أميركي. بعيداً عن النتائج، طغى البعد السياسي على أجواء الحفل، فتحولت المنصة إلى مساحة للتعبير عن قضايا عالمية ملحّة. بهذا، افتُتحت الأمسية بظهور مقدمي الحفل، المغنية ريغوبيرتا بانديني والممثل لويس توسار، وكلاهما يضع شارة العلم الفلسطيني على سترته، ولم ينتظرا طويلاً قبل توجيه رسالة مباشرة، إذ نددا بالإبادة في قطاع غزة، حتى قبل الترحيب بالحضور.  التضامن مع القضية الفلسطينية سيطر على أجواء الحفل، فارتدى عدد كبير من الحاضرين شارات كتب عليها "فلسطين حرة" (Free Palestine)، من بينهم المخرجة إيفا ليبرتاد والممثلون باتريسيا لوبيث أرنايث ومانولو سولو، إضافة إلى شخصيات فنية وإعلامية أخرى. وظهرت الممثلة الأميركية سوزان ساراندون، الحاصلة على جائزة غويا الدولية، وهي ترتدي الشارة نفسها، مشيدة بـ"التزام" إسبانيا بالقضايا الإنسانية، ومؤكدة أن هذا الموقف يمنحها "الأمل" في عالم تسوده الفوضى. وفي لحظة لافتة، أنهت الفنانة ألبا فلوريس كلمتها بعد فوزها بجائزة أفضل أغنية أصلية بهتاف "فلسطين حرة". لم تقتصر الإشارات السياسية على فلسطين، خصوصاً في يومٍ استيقظ فيه العالم على خبر العدوان الأحادي على إيران، فأعلن رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، الذي حضر حفل توزيع الجوائز، رفضه للفوضى والحرب وللعدوان الإسرائيلي-الأميركي، مؤكداً في تغريدة على إكس قبل قدومه إلى الحفل أن هذا العدوان "انتهاك للقانون الدولي"، وأن "العنف لا يمكن أن يُواجَه بعنف"، محذراً من تداعياته على الشعب الإيراني. وامتدت الرسائل إلى تحذيرات من صعود اليمين المتطرف، إذ أشارت الممثلة الأرجنتينية دولوريس فونزي، الفائزة بجائزة أفضل فيلم إيبيري-أميركي عن (Belén) إلى الأمر، قائلة: "أنتم ما زال لديكم وقت.. لا تقعوا في الفخ". شهد الحفل مداخلات حول قضايا مثل التنمر، إضافة إلى دعوات للدفاع عن التعليم العام ورفض استبدال الإبداع الفني بالتقنيات الاصطناعية. عكست ليلة غويا 2026 صورة واضحة للسينما: سينما إلى التأثير والمساءلة، وتوظف منصتها للتعبير عن القضايا الإنسانية والسياسية والاجتماعية. وبين بريق النجوم وحرارة الخطابات، بدا أن السينما الإسبانية تواصل تأكيد دورها صوتاً ثقافياً فاعلاً، قادراً على الجمع بين الفن والموقف، في عالم يزداد تعقيداً. أشار لويس توسار إلى أن صناعة السينما لطالما أدانت العنف، مستذكراً مواقفها السابقة ضد حرب العراق وأوكرانيا، فيما أكدت بانديني خطورة القرار الإسرائيلي بطرد منظمات غير حكومية من غزة والضفة الغربية، من بينها "أطباء بلا حدود"، وما يعنيه من عمق الأزمة الإنسانية التي يعيشها العالم.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية