عربي
بينما كان قطاع الإعلام يستوعب صدمة استحواذ "باراماونت سكاي دانس" المفاجئ على "وارنر براذرز ديسكفري"، ظل سؤالٌ يطرح نفسه في أذهان كثيرين داخل قطاع الأخبار وخارجه: ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى "سي إن إن"؟
فالشبكة الإخبارية الشهيرة التي تبث على مدار 24 ساعة تُعد من بين أصول "وارنر براذرز" المختلفة التي ستنتقل إلى "باراماونت" بموجب الصفقة التي أُعلنَت الخميس، والتي قد تعيد رسم ملامح المشهد الإعلامي.
وشهدت "باراماونت" تحولاً سريعاً تحت قيادة رئيسها التنفيذي ديفيد إليسون، عقب استحواذ عائلته على الشركة في الصيف الماضي. وامتدت هذه التغييرات إلى "سي بي إس نيوز" على الفور تقريباً، مع تعيين باري وايس، الشريكة المؤسسة لموقع "فري برس" والمثيرة للجدل، رئيسةً جديدةً للتحرير.
وكانت فترة تولّي وايس مهامها حتى الآن مضطربةً. فقد أثار قرارها سحب تقريرٍ لبرنامج "60 دقيقة" عن الأوضاع داخل سجنٍ في السلفادور كان يضم مهاجرين فنزويليين غير موثّقين رُحِّلوا من الولايات المتحدة، انتقاداتٍ واسعةً واتهاماتٍ بدوافع سياسية. وأوضحت الشبكة أن التقرير أُرجئ لإجراء مزيدٍ من العمل الصحافي، قبل أن يُبثّ لاحقاً.
وشهد البرنامج الأسبوع الماضي تطوراً جديداً، بعدما أعلن مراسل "60 دقيقة" ومذيع الأخبار في "سي إن إن" أندرسون كوبر، أنه سيغادر البرنامج لقضاء وقتٍ أطول مع عائلته.
وفي وقتٍ سابقٍ من هذا العام، أُقيل منتجٌ مخضرمٌ في نشرة "سي بي إس المسائية مع توني دوكوبيل" بعدما أبدى اعتراضه على التوجّه التحريري الجديد للنشرة.
وتتجه الأنظار الآن إلى "سي إن إن"، التي كانت منذ فترةٍ طويلةٍ هدفاً لانتقادات الرئيس دونالد ترامب. فقد دعا شخصياً إلى إقالة بعض مقدّمي البرامج في الشبكة ممن شككوا في سياساته.
وحاول الرئيس التنفيذي لـ"سي إن إن وورلدوايد"، مارك طومسون، تهدئة المخاوف، ولا سيما داخل غرفة الأخبار. ففي مذكرةٍ داخليةٍ مؤرخةٍ يوم الخميس، حثّ طومسون الموظفين على عدم "القفز إلى استنتاجاتٍ بشأن المستقبل" والتركيز على عملهم. وأضاف في المذكرة: "لا تنسوا واجبنا تجاه جمهورنا. ما زلنا في بداية عامٍ حافلٍ بالأحداث محلياً ودولياً، وسيبلغ ذروته مع انتخابات التجديد النصفي الأميركية الحاسمة، وربما أحداثٍ أخرى. دعونا نواصل التركيز على تقديم أفضل صحافةٍ ممكنةٍ للملايين الذين يعتمدون علينا حول العالم".
من جهته، أكد إليسون أن رؤيته لقطاع الأخبار تقوم على نهجٍ وسطيٍ أيديولوجياً. وتحدث في مقابلةٍ أُجريت في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول على قناة "سي إن بي سي"، بعد وقتٍ قصيرٍ من إعلان شركة وارنر اختيار "نتفليكس" عرضاً فائزاً للاستحواذ على استوديوهاتها و"إتش بي أو" و"إتش بي أو ماكس": "نريد بناء خدمةٍ إخباريةٍ واسعة النطاق تقوم أساساً على الثقة والحقيقة، وتخاطب 70 بالمائة من الأميركيين الذين يقفون في الوسط. ونعتقد أن القيام بذلك يعني تحقيق النجاح مع القيام بما هو صائب".
وعندما سُئل عمّا إذا كان ترامب سيرحّب به مالكاً لـ"سي إن إن"، في ضوء انتقادات الرئيس السابقة للشبكة، تجنّب إليسون الخوض في التفاصيل، مكتفياً بالقول: "أجرينا محادثاتٍ جيدةً مع الرئيس حول هذا الأمر، لكنني لا أريد التحدث باسمه بأي شكلٍ من الأشكال".
وأعرب باحثون مختصون بالتعديل الأول في الدستور الأميركي عن قلقهم بشأن حرية الصحافة وحقوق حرية التعبير في ظل إدارة ترامب، ولا سيما بعد توقيف الصحافي السابق في "سي إن إن" دون ليمون الشهر الماضي، وضغوط لجنة الاتصالات الفيدرالية على مقدّمي برامج السهرة مثل جيمي كيميل وستيفن كولبير.
وكتبت رونيل أندرسن جونز، المتخصصة في شؤون التعديل الأول وأستاذة القانون المتميزة في جامعة يوتا، في رسالةٍ إلكترونيةٍ، أن منظمات حرية الصحافة لطالما طرحت تساؤلاتٍ في دولٍ أخرى عن كيفية استخدام الأنظمة السلطوية سلطتها و"تحالفاتها الأوليغارشية لتقليل شأن الأصوات الصحافية المستقلة أو إسكاتها أو معاقبتها، أو لتوجيه ملكية وسائل الإعلام نحو نسخةٍ مفضّلةٍ من الحقيقة". وأضافت: "نرى اليوم أن بعض هذه الأسئلة يُطرح أيضاً بشأن الولايات المتحدة".
ولا تقتصر المخاوف المرتبطة بالاندماج على تأثيراته المحتملة في "سي إن إن" وقطاع الإعلام فحسب، بل تمتد إلى صناعة الترفيه ككل. فقد أعرب مشرّعون، من بينهم النائبة لورا فريدمان والسيناتور آدم شيف والسيناتور كوري بوكر، عن قلقهم من تأثير دمج استوديوهين كبيرين في هوليوود على الوظائف وعلى إنتاج الأفلام والمسلسلات، الذي تباطأ بشكلٍ ملحوظٍ منذ الجائحة وإضرابي الكتّاب والممثلين المزدوجين في عام 2023 وتقليص الشركات إنفاقها.
كذلك وصفت السيناتور إليزابيث وارن الصفقة بأنها "كارثةٌ احتكاريةٌ"، معربةً عن خشيتها من أن تؤدي إلى رفع الأسعار وتقييد خيارات المستهلكين. وأكدت في بيانٍ أنه "مع وجود سحابةٍ من شبهات الفساد تلوح فوق وزارة العدل في عهد ترامب، سيكون على الشعب الأميركي أن يرفع صوته، وعلى المدّعين العامين في الولايات أن يطبّقوا القانون".
وفي هذا السياق، أشار المدّعي العام لولاية كاليفورنيا روب بونتا، إلى أن الاندماج "لم يُحسم بعد"، مضيفاً أنه على تواصلٍ مع مدّعين عامين في ولاياتٍ أخرى بشأن المسألة. وكتب على منصة إكس: "باعتبارها مركز صناعة الترفيه، فلكاليفورنيا مصلحةٌ خاصةٌ في حماية المنافسة". وتخضع الصفقة لموافقة وزارة العدل الأميركية، ومن المتوقع أن يتقدّم بونتا ومدّعون عامون آخرون بطعنٍ قانونيٍ ضد الاندماج الضخم على أسسٍ تتعلق بقوانين مكافحة الاحتكار.
من جهته، كتب جيم أكوستا، مراسل البيت الأبيض السابق في "سي إن إن"، على منصة إكس: "كما حذّرت سابقاً، بات لدى أميركا إعلامٌ متأثرٌ بالدولة". وأضاف: "عندما يكون برنامج 60 دقيقة أو سي إن إن في مأزقٍ، نكون جميعاً في مأزقٍ. ترامب فك الشيفرة لكيفية إلحاق الضرر بالصحافة. حرية التعبير باتت في خطرٍ. يجب ألا تسيطر شركات MAGA على الأخبار. ادعموا الإعلام المستقل".
كذلك كتب رون فيليبكوفسكي، رئيس تحرير منظمة ميداس تاتش، في منشورٍ منفصلٍ: "سيكون هذا نهاية سي إن إن".
