هل يقيّد الزواج الحرية؟
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
هل الزواج ضرورة حياتية وقدر لا مفر منه؟ هل هو تلبية لغريزة البقاء فحسب؟ ولماذا نتزوج أصلاً؟ كيف نترك حياة العزوبية خلف ظهورنا؛ تلك الحياة المليئة بالحرية والإقبال على الحياة بلا قيود؟ وكان السؤال الأكبر الذي يؤرقه: هل يقتل الزواج الحب أم ينميه؟ كانت هذه التساؤلات، وغيرها الكثير، تطنّ في رأسه كالنحل. كان يوماً ممطراً، وكان الموعد قد حان لاستكمال إجراءات الزواج وتوقيع العقد، بعد أن استوفيا المراسيم وفق ما تقتضيه الأعراف والتقاليد. طيلة الليلة التي سبقت "اليوم الموعود" لم يغمض له جفن؛ ظل يفكر كيف مرت الأمور بهذه السرعة. بدا له المشهد خيالياً، وفي محاولة لتهدئة توتره، قرر أن يقرأ شيئاً؛ فقد كان مولعاً بقراءة السير الذاتية، مؤمناً بأنها تمنح الإنسان حيوات أخرى لم يعشها. رسم سيناريوهات شتى، بين التفاؤل والسوداوية؛ فثمة لحظات تمر على الإنسان لا يستطيع فهمها أو استيعابها في وقتها، ولا يعرف فيها ما يقدم ولا ما يؤخر. التقيا في الموعد المحدد، واحتسيا فنجان قهوة بانتظار دورهما. كان يتحدث في أمور شتى، يقول الشيء ونقيضه، محاولاً تبديد الضغط والخجل. أراد أن يبوح بكل ما يختلج في صدره، لكن لكل بوح حدّاً، فلزم الصمت والهدوء. كان يؤمن أن الزوج الذي يحترم شريكته يصارحها بحقيقة الأشياء، حاول استجماع قواه ليبوح لها بكل ما تختزنه ذاكرته، لكنه رأى أن الوقت لم يحن بعد، فدعاها للمغادرة؛ لقد حان الموعد. قبل الصعود إلى مكتب "العدول"، التفت إليها قائلاً: النساء أكثر لطفاً منا، نحن الرجال أنانيون، نفكر في أنفسنا وحريتنا فقط، ونخشى فقدان مكاسبنا.. نخشى فقدان الحرية. ابتسمت برقة ولم ترد. قبّل يدها، ثم دلفا إلى قاعة الانتظار حيث خيّم عليهما صمت طويل. حان دورهما، تسلّم العدل الأوراق، قلّبها بين يديه، ثم طلب منهما الجلوس. ظل الزوج شارد الذهن، حاضراً بجسده غائباً بروحه، كأنه محكوم يقاد إلى قدر مجهول، وقد أصابه الخرس المفاجئ. استدار نحوها وسرق نظرة طويلة؛ وجه طفولي يبزغ من تحت غطاء رأسها، وعينان تفيضان براءة. كانت هادئة، والخجل يكسو محياها وهي تقلب هاتفها لتمضية الوقت. سألها العدل عن القبول والصداق وأسئلة روتينية أخرى، فأومأت برأسها موافقة، ووقعا معاً في السجل. أسبوع أو أسبوعان ويكون العقد جاهزاً. عانقته عناقاً أمومياً، كأنها تضم ابناً طال غيابه. لم يتكلم، بل اكتفى بابتسامة. غادرا المكتب وبدأ الحديث عن الحياة المستقبلية، عن مولودهما الأول واسمه؛ "غسان". هكذا خاطبها مبتسماً، ولم تعارض أو تقترح اسماً آخر، بل اكتفت بحمرة خفيفة علت وجنتيها. تذكر حينها مقولة صديقه: "عندما يقرر الإنسان الانتقال من حياة العزوبية إلى حياة المسؤوليات الثقيلة، عليه أن يقدم تنازلات، ويبحث عن التوافق والحوار المشترك.. عقد الزواج هو بالضرورة عقد التنازلات". قاطع صمتهما قائلاً وهما يسيران يداً بيد على شاطئ الأطلسي: الحوار عنصر أساسي في الحياة الزوجية؛ فكل طرف يعتقد غالباً أن رأيه هو الحق، لكن بالحوار وحده تحل الأزمات. ردت بابتسامة: كل حواراتي معك شيقة، حين أناقشك أحس كأني أناقش نفسي، رغم خلافاتنا الحادة أحياناً، إلا أنني أشعر بأن حديثك يعبّر عن شيء يسكنني. لنحاور إذاً بطلاقة وبشاشة، بلا أحكام مسبقة. ما يهمني هو أن نبحث معاً عن نمط لحياتنا الجديدة، بعيداً عن أعين الفضوليين، بل بعيداً عن الجميع. دلفا إلى مقهى قريب، وعم الصمت مجدداً، لكنه كان صمتاً ناطقاً بالمشاعر. أخبرها عن طموحاته، أحلامه، ماضيه البعيد، وانكساراته، وعن فرحه بلقائهما الأول. تبادلا حديثاً مطولاً عن الأدب والفن والموسيقى، عن روائيه المفضل وفريقه الكروي والفنان الذي أسر قلبه.. مر الوقت سريعاً، وحان موعد رحيلها، فودعها على أمل لقاء قريب. بقي وحيداً يتأمل حياته الجديدة، واستحضر تساؤل "نيتشه" الفلسفي: "عليك أن تطرح السؤال التالي عند عقد القران: أتظن أنك قادر على متابعة الحوار بلذة مع هذه المرأة حتى الشيخوخة؟". خاطب نفسه ساخراً: "يقولون إن الفلاسفة لا يتزوجون. مالي ومالْ الفلاسفة؟ لست حكيماً ولا فيلسوفاً لأحرم نفسي من هذه التجربة التي فشلت في خوضها سابقاً".  تصفّح هاتفه، راودته رغبة في إعلان زواجه بتدوينة، ثم تراجع بلا سبب واضح. كان يصارع الأفكار التي تشتت ذهنه، بقي هناك ردحاً من الزمن، ثم غادر المقهى، قبل أن تصله رسالتها: "وصلتُ بخير.. اهتم بنفسك.. نلتقي في موعدنا القادم".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية