عربي
لم يكن استئناف الإنتاج في حقل سيناون النفطي مجرد إعادة تشغيل تقني لحقل متوقف، بل يمثل اختباراً حقيقياً لقدرة ليبيا على استعادة الاستقرار داخل قطاع الطاقة، في ظل بيئة سياسية منقسمة وتحديات مالية وتشغيلية تراكمت خلال السنوات الماضية. فعودة الحقل إلى الضخ بعد أكثر من ثلاث سنوات من التوقف تعكس محاولة لإعادة بناء الثقة في استدامة الإنتاج النفطي، الذي يشكل العمود الفقري للاقتصاد الليبي ومصدر الإيرادات شبه الوحيد للدولة.
ويأتي هذا التطور في وقت تسعى فيه المؤسسات النفطية لتحييد الخلافات المالية والإدارية عن العمليات الإنتاجية، بعدما أظهرت تجربة توقف الحقول أن كلفة التعطيل لا تقتصر على خسارة الإنتاج فحسب، بل تمتد إلى تآكل البنية التشغيلية وارتفاع كلفة إعادة التشغيل، فضلاً عن تأثيرها المباشر في الاستقرار المالي وسوق الصرف. أعلنت شركة الخليج العربي الليبية للنفط (أجوكو)، التابعة للمؤسسة الوطنية للنفط، استئناف الإنتاج في حقل "سيناون" النفطي الواقع بمنطقة نالوت غربي ليبيا، الذي بدأ نشاطه رسمياً في أكتوبر 2020، بعد توقف استمر أكثر من ثلاث سنوات نتيجة صعوبات مالية وفنية أثرت بعمليات التشغيل والتصدير.
يرى الخبير النفطي حسين الصديق، أن إعادة تشغيل حقل سيناون تمثل خطوة إيجابية، لكنها تحمل دلالات أعمق تتجاوز الجانب الفني. ويقول لـ"العربي الجديد" إن توقف الحقول الصغيرة والمتوسطة غالباً ما يخلّف خسائر غير مرئية تتجاوز قيمة النفط غير المنتج، وتشمل تدهور المعدات وارتفاع تكاليف إعادة التشغيل وفقدان الكفاءات التشغيلية.
ويشير الصديق إلى أن إعادة الحقل للإنتاج تعكس توجهاً متزايداً نحو تحييد الخلافات المالية والإدارية عن العمليات الإنتاجية، وهو عامل أساسي لاستقرار القطاع النفطي، وخصوصاً في اقتصاد يعتمد على النفط لتأمين نحو 93% من الإيرادات الحكومية. ويؤكد الصديق أن نجاح إعادة التشغيل قد يعزز ثقة المستثمرين والشركاء الدوليين بقدرة ليبيا على إدارة أصولها النفطية رغم البيئة السياسية المعقدة، في ظل استمرار الانقسام بين حكومتي عبد الحميد الدبيبة في طرابلس وأسامة حماد في بنغازي.
ويرى المحلل الاقتصادي محمد الشيباني، أن عودة الحقل إلى الخدمة، رغم محدودية طاقته الإنتاجية مقارنة بالحقول الكبرى، تحمل قيمة رمزية واقتصادية في آن واحد، إذ تؤكد إمكانية إعادة الأصول المتوقفة إلى الإنتاج إذا ما توفرت المعالجة المالية والفنية اللازمة، وهو ما قد يدعم خطط رفع الإنتاج الوطني خلال السنوات المقبلة.
ويقول الشيباني لـ"العربي الجديد" إن استئناف الإنتاج في حقل سيناون يحمل دلالة اقتصادية تتجاوز البعد الفني، إذ يمثل استعادة جزئية للطاقة الإنتاجية المتوقفة، وإشارة إيجابية إلى إمكانية إعادة تشغيل أصول أخرى متعثرة، رغم استمرار التحديات المرتبطة بالتمويل والصيانة والاستقرار السياسي. كذلك يعزز تشغيل الحقل تدفقات الخام نحو مجمع مليته، بما قد يساهم في تحسين مستويات التصدير ودعم الإيرادات العامة في مرحلة تواجه فيها المالية الليبية ضغوطاً متزايدة نتيجة توسع الإنفاق العام وتقلبات سوق الصرف.
