الصيام من الطقس إلى التجربة الروحانية
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
ابتعد معظم الفلاسفة وعلماء الكلام في المدونة التراثية عن تناول رمضان في بعده الروحي إلا بإشارات قليلة، وظلّت حكمة الصوم تراوح بين تفسيرات تنهل من نصوص فقهية غالباً، تركز في أقصى حدودها على فكرة الامتناع عن الملذات تضامناً مع الفقراء في المجتمع، ومن أجل نيل الأجر والثواب. فكرة لافتة يقدّمها أستاذ الحقوق وطالب العلوم الإسلامية محمد عبد الساتر في مقالٍ نشره في جريدة ذا غارديان البريطانية منذ أيام بعنوان "في عالم أصبح فيه تناول الطعام أمراً فردياً وسريعاً، يعيد رمضان شيئاً جذرياً: الوقت المشترك" حيث يقول "الصيام فردي؛ لا أحد يستطيع أن يرى جوع الآخر تماماً. لكن الإفطار جماعي". استعادة سيادة الجسد يميّز عبد الساتر بين مسارين: المسلمون يتناغمون في الانتظار وفي لحظة الاجتماع على الطعام، لكنه يمنح مساحة للتأمل في خصوصية العبادة على المستوى الشخصي التي تختلف بين مسلم وآخر، ويتمثل جوهرها بما يراه استعادة لسيادة الجسد، مركز التجربة، من خلال شعور الجوع الذي يفترض أن يدفع بالصائم إلى الإنصات للعالم، الإنصات لإنسانيتنا. الصيام فردي؛ لا أحد يستطيع أن يرى جوع الآخر تماماً وفي الإطار الجمعي، يتفكّر عبد الساتر في الصوم مع هيمنة النمط الاستهلاكي السريع في الحياة المعاصرة فعلاقة الإنسان بالغذاء أصبحت ممارسة فردية إلى حد كبير، إلا أن إيقاعها يتبدّل في هذا الشهر من كلّ عام عبر طقس الإفطار الذي يتكرّر لثلاثين يوماً. التحرّر من فوضى الخيارات اللامتناهية التي تحاصر عيشنا اليوم، تختلف عن ما طرحه المفكر والرئيس البوسني الأسبق علي عزت بيغوفيتش في كتابه "الإسلام بين الشرق والغرب" (1980) المسكون بالهوية الحضارية للمسلمين في معظم تنظيراته، والذي يقرّ أن الصوم "ليس مجرّد مسألة شخصية تخصّ الفرد وحده وإنما هو التزام اجتماعي. وهذا التفسير للصيام كشعيرة دينية غير مفهوم عند الأديان الأخرى"، وهو ما يفسّر من وجهة نظره حساسية المسلمين لأي انتهاك علني لهذا الواجب. غير أن بيغوفيتش لا يغفل التجربة الروحانية التي اختبرها شخصياً خلال اعتقاله في سجن فوتشا اليوغسلافي خلال ثمانينيات القرن الماضي، ووثقها في كتابه "هروبي إلى الحرية" (2002)، لكنه وضعها في سياق صراع الروح والجسد الذي يتعذب في الصيام، وانتصارها عليه هو انتصار معذّب معيش يوصل إلى الرضا. بين الماضي والحاضر لا يغيب عن القارئ لهذه الشذرات أن أصحابها ينتمون إلى فضاء إسلامي غربي حيث يعيش عبد الساتر في أستراليا ويدرّس في إحدى جامعاتها، بينما اشتبك بيغوفيتش مع التراث بوصفه مسلماً أوروبياً سعى إلى تأسيس نموذج معاصر يتوافق مع البوسنيين في مرحلة الانفصال عن نظام شيوعي وإيجاد هوية خاصة بهم. بالعودة إلى الماضي، ربما تحضر تساؤلات أبي حامد الغزالي في كتابه "إحياء علوم الدين" الذي كتبه في القرن الثاني عشر، عن جدوى تأخير أكلة وجمع أكلتين عند العشاء مع الانهماك في الشهوات الأخرى طول النهار معيداً قول بعض العلماء "كم من صائم مفطر وكم من مفطر صائم" ليخلص إلى أنّ "المفطر الصائم هو الذي يحفظ جوارحه عن الآثام ويأكل ويشرب والصائم المفطر هو الذي يجوع ويعطش ويطلق جوارحه". رؤية الغزالي الفقيه الصوفي تقوم على أن لكل عبادة ظاهراً وباطناً، وتكشف عن جرأة في اعتبار كف البطن والفرج عن قضاء الشهوات صوم العوام، بينما صوم الخصوص هو كف السمع والبصر واللسان واليد وسائر الجوارح عن الآثام، وصولاً إلى صوم خصوص الخصوص وهو صوم القلب عن الأفكار الدنيوية مثلما يفعل الزهاد النسّاك. تتوجه هذه القراءات المغايرة لإحدى العبادات بمعزل عن السلطة في غالبية الدول الإسلامية، التي تواصل ضبط الالتزام بها منذ قرون رغم أنها لا تفعل الأمر ذاته في ما يخص بقية الفروض، وبذلك تتنقل فكرة الالتزام الجماعي من رمزيتها الطقسية إلى ما يمكن إدراجه ضمن السيطرة على الفضاء العام وتنظيمه والتحكم فيه.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية