عربي
كان المرشد الإيراني، علي خامنئي، صريحاً في المقال التحذيري الذي نشره على موقعه الرسمي، قبل أيام، تعقيباً على التهديدات الأميركية لبلاده على خلفية برنامجيها النووي والصاروخي. ... أكد ما سبق أن تحدث به مسؤولون إيرانيون كثيرون، لكنه أخيراً جاء على لسان رأس الهرم في الجمهورية الإسلامية. شدّد المقال على أن توجيه أي ضربة لإيران، محدودة أو موسّعة، سيعني أن حرباً ستشتعل في المنطقة.
استفاض خامنئي في توصيف هذه الحرب التي قال إن "الخطوط الحمراء السابقة ستتغير خلالها جذرياً، وسيكون ميدان المعركة أوسع مما مضى. ستتسع قائمة الأهداف، وإذا كان مقدّراً لتراب إيران وأرواح أبنائها أن يطاولهم شرّ أو عدوان أميركي، فلن تكون مصالح الأميركيين وأرواحهم في أمان في أي مكان".
يتطابق هذا الكلام، إلى حد كبير، مع تهديداتٍ أطلقها مسؤولون إيرانيون عديدون، غير أن المرشد أضاف إليها عنصراً جديداً، استهداف المصالح الأميركية في أي مكان، ما يعني عدم حصر دائرة المعركة في بؤرة جغرافية محدودة نسبياً، وتوسعها لتطاول المصالح الأميركية في مناطق متفرقة من العالم، وهو ما سبق لطهران أن نفذته في ذروة صراعها مع واشنطن.
النقطة الأهم في مقال خامنئي، ويجدُر التوقف عندها وتحليلها، حديثه عن الأطراف الأخرى، أو "الحلفاء" بحسب تسميته، التي يمكن أن تدخل على خط المعركة. فخامنئي كتب أنه "في حرب الـ12 يوماً، لم يدخل حلفاء إيران في المنطقة إلى الميدان، وتحرّكت الجمهورية الإسلامية بمفردها ضد المعتدين الصهاينة والأميركيين، أما في أي حرب مستقبلية محتملة، فهذه المعادلة ستتغير، وسيواجه العدو جبهات متعددة ومتنوعة في ميادين قتال مختلفة".
تحتاج هذه الفقرة في مقال خامنئي إلى تشريح، لا سيما في الحديث عن "الحلفاء"، ومن هي الأطراف المقصودة في هذا التوصيف. فخلال حرب الأيام الـ12 يوماً اتضح أن لا حلفاء حقيقيين للجمهورية الإسلامية، والحديث هنا عن الدول وليس التنظيمات التي تعدّ أذرعاً إيرانية، ومن غير المفترض أن ينطبق عليها توصيف الحلفاء.
ولكن من المؤكد أن المرشد الإيراني شمل هذه الأذرع في حديثه عن الحلفاء، وربما تكون هذه الأذرع هي الحليف الوحيد الذي تعوّل عليه إيران، فأيٌّ من الدول التي تربطها علاقات قوية مع طهران ليست في وارد الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة لإنقاذ النظام الإيراني.
على صعيد الدول، لا يمكن أن يخطر في البال سوى روسيا والصين، وبدرجة أقل باكستان وكوريا الشمالية، باعتبارها مشمولة إلى حد ما في خانة الحلفاء الذين تحدّث عنهم خامنئي، غير أن دخولهم المباشر في المعركة مستحيل، في ظل الحسابات التي تحدّد التوجهات السياسية والاستراتيجية لهذه الدول.
روسيا، على سبيل المثال، لا تزال في مسار محادثات مع الولايات المتحدة لإنهاء الحرب الأوكرانية. وفي ظل التسريبات حول مقترحات الحل، ستخرج موسكو رابحة مع الاستعداد الأميركي للاعتراف بضمها أجزاء واسعة من أوكرانيا. وبالتالي، ليس من مصلحة روسيا مواجهة الولايات المتحدة، وهو ما لم تفعله في ذروة الحرب الأوكرانية حين كان السلاح الأميركي يتدفق على كييف. وكل ما يمكن أن تقدّمه روسيا لإيران في هذه المرحلة صفقات الأسلحة النوعية التي جرى الحديث أن طهران فعلاً اشترتها من موسكو خلال الأشهر الفائتة.
الأمر نفسه بالنسبة إلى الصين التي تضع مصالحها الاقتصادية في مقدّمة أي أمر آخر، وهو ما يمكن أن يدمره أي دخولٍ مباشر في مواجهة مع الولايات المتحدة، خصوصاً أن بكين تترقب زيارة للرئيس الأميركي دونالد ترامب في إبريل/ نيسان المقبل. وغير روسيا، فإن جل ما يمكن أن تقدمه الصين هو بيع بعض الأسلحة لإيران وفق المنطق الاقتصادي الذي يحكم السياسة الصينية.
ومع استبعاد الحلفاء الدوليين، تبقى الأذرع العسكرية في لبنان والعراق واليمن المقصودة في تعبير خامنئي. لكن هذه الأذرع، مع الضعف الذي طاولها خلال سنتي الحرب على غزّة، محكومة أيضاً بحسابات داخلية قد تحول دعمها لإيران إلى مواجهات داخلية وحروب أهلية.
في المحصلة، "الحلفاء" الذين تحدث عنهم خامنئي، بغض النظر إن قصد دولاً أو منظمات، يبقون عاجزين عن المساندة الفعلية لطهران، حتى وإن حاولوا، فالتعويل الأساس كان وسيبقى على القدرات الإيرانية نفسها.
