عربي
أمّا وأنّنا، أهل الإعلام، انشغلنا بحزمة الأكاذيب في الخطاب الشعبوي، والمملّ، للرئيس الأميركي ترامب، في الكونغرس، فجر أول من أمس الأربعاء بمواقيتنا العربية، فإنّنا مطالبون بالالتفات إلى أكاذيب أخرى في خطابٍ آخر، صاحبُه رئيس الوزراء الهندي، الشعبوي والعنصري، ناريندرا مودي، في الكنيست الإسرائيلي، مساء اليوم نفسه. فلم يكتفِ المذكور بالاسترسال في التفجّع على القتلى الإسرائيليين في واقعة 7 أكتوبر (2023)، بل زاول "عملاً مُخزياً في التواطؤ مع عدوان الإبادة على الشعب الفلسطيني في غزّة"، بتعبيرٍ بالغ الصحّة في بيانٍ للحزب الشيوعي الهندي، لمّا قال إن أي قضيةٍ لا تبرّر قتل المدنيين، ثم خرَس تماماً عن قتل مضيفيه أزيد من 70 ألف مدني فلسطيني في القطاع المحاصر. ومن العسير على كل صاحب عقلٍ أن يمرّ عليه فائضُ التدليس في المسؤول الهندي الأول، وهو يكذب "إن الجميع يعلم أن إسرائيل أرض الآباء، وأن الهند الأرض الأم، والروابط التي تجمعنا مكتوبة بالدماء والتضحيات"، فمن هؤلاء الجميع، وما هي هذه الروابط، وأيّ تضحياتٍ هذه التي يفتري بشأنها؟
ولمّا كان الجهل ونقصان الثقافة من طبائع الشعبويين، على ما هي العلائم الدالّة في ترامب وأشباهه، فإن ناريندرا مودي يؤكّد هذا عنه في الخطاب المتحدّث عنه، عندما استسهل الأزعومة إياها عن فلسطين بوصفها صحراء، وهو يذيع إعجابه بما سمّاها "قدرة إسرائيل على تطوير الزراعة في قلب الصحراء". والظاهر أن ولعه الشائن بدولة الاحتلال ساقَه إلى أن يُطرِب سامعيه بما يستطيبونها من خرافات. ولو أعطى صاحبُ هذا الكلام البائس نفسه بعض الوقت للقراءة والتثقّف، لعرف أن فلسطين أنقذت فرنسا غير مرّةٍ من مجاعاتٍ عندما صدّرت قمحاً إليها، في أطوارٍ مضت، على ما كتب المؤرّخ الفرنسي بول ماسون. وأن وديان فلسطين وصفها رحّالةٌ بريطاني زارها بأنها كانت "بحيرةً هائلةً خضراء من سنابل الحبوب المتموّجة، وروابي متوّجةً بالقرى تنهض من قلبها كالجزر، وصورة مذهلة عن خصوبة عامرة". ووصف بريطانيٌّ آخر الساحل الجنوبي من فلسطين، في 1859، بأنّه "محيط عُبابٍ من الحبوب". ... وعندما يستهسل مودي أسطورة من كلاسيكيات الاستشراق المعادي، ومن الأدبيات الصهيونية الرثّة، فإنه يضيف إلى اصطفافه في المحور الإسرائيلي ما هو أبعد، ما يجوز انتسابه إلى الثقافة الصهيونية الدينية.
وإذ نعرف عن هذا الرجل ولعَه باستثمار الغرائز الدينية، وفي نزوع متعصّبٍ لا يجد حرجاً في إشهاره، فإنه كان وفيّاً لسمْته هذا، لمّا استشهد أمام سامعيه، وهو يستطرد عن عمق العلاقات بين إسرائيل وبلاده (!)، بأن "التلمود يشير إلى الهند ويذكر الممرّات البحرية التي تربط البحر الأبيض المتوسط بالمحيط الهندي". ومعلومٌ أن ناريندرا مودي يتزعّم حزباً هندوسياً عنصرياً مشهوداً في الهند، أحرز قبل عامين 240 مقعداً في البرلمان في الانتخابات التشريعية، التي استطرد في حملتها عن موقع الهند في الكتب المقدسة. واعتبر، في الغضون، مسلمي بلاده "متسلّلين"، وهم زهاء 200 مليون، وهو الكاره لهم، وقد افتتح معبداً هندوسياً أقيم على أنقاض مسجدٍ يعود إلى القرن السادس عشر. ولا يُفترى عليه بالقول إنه لمّا كان رئيساً لحكومة ولاية غوجارت في العام 2002، يتحمّل مقادير غير هيّنةٍ من المسؤولية عن تشجيع قتل أكثر من ألفي هندي مسلم هناك في أثناء أحداثٍ شنيعةٍ جرى فيها استهداف المسلمين تعييناً.
وفي العموم، بديهيٌّ أن يعدّ مجرم الحرب المعلن، نتنياهو، شخصاً من الشاكلة الموصوفة أعلاه بإيجاز صديقاً شخصياً له. ... ولئن تغشانا، نحن العرب، في أثناء تتابع أخبار التحالف العسكري والأمني والاستخباري بين دولة الاحتلال والهند، نوباتٌ من النوستالجيا إلى تلك الهند التي كانت، إبّان نهرو وأنديرا غاندي، في مقدّمة مناصري العرب وقضية فلسطين في العالم، فإن لنا أن نتساءل عن مسؤولياتنا بشأن الانعطافات الحادّة التي مضت إليها منذ استجدّت علاقات التطبيع المعلنة بين إسرائيل والهند في 1992، مروراً بعدم تصويت الأخيرة في الأمم المتحدة في يونيو/ حزيران الماضي على مشروع قرار يطلب وقفاً غير مشروط لإطلاق النار في غزّة، وليس انتهاءً بحزمة اتفاقات شراكاتٍ في قطاعاتٍ عديدة، سيما التكنولوجيات والصناعات العسكرية، وبالطبع ليس انتهاءً بكذبٍ ركيكٍ عن فلسطين صحراء طوّر فيها الإسرائيليون الزراعة، فالقادم من تمثيلات علاقات التحالف الوطيدة أفظع.

أخبار ذات صلة.
الحرب الإيرانية تهدد رغيف التونسيين
العربي الجديد
منذ 20 دقيقة
ملف | حياة العرب في زمن الحرب: غلاء وقلق
العربي الجديد
منذ 21 دقيقة