عربي
في غرفة الانتظار الضيقة في "مشفى دمر لأمراض وجراحة القلب" بدمشق، كانت صفاء بلال، المعروفة بـ"أم ثائر"، تمسك بملف ابنها البالغ من العمر 12 عاماً، وتعيد حساباتها للمرة العاشرة. خلال العامين الماضيين، باعت جزءاً من مصاغها الذهبي، واستدانت من أقاربها لتأمين تكاليف الفحوصات والصور القلبية والعلاج الدوائي، فيما بقي التدخل الجراحي مؤجلاً بسبب كلفته التي تجاوزت قدرتها.
تقول صفاء لـ"العربي الجديد" إن مجرد فحص "الإيكو" كان يكلّفها ما يعادل راتب شهر كامل، فيما كانت القسطرة أو أي إجراء متقدم أقرب إلى "حلم مستحيل"، في ظل دخل لا يكاد يكفي لتأمين أساسيات الحياة. ولم تكن وحدها في هذا المأزق؛ إذ تتكرر قصتها يومياً مع عشرات المرضى الذين يقفون في الممر ذاته، حاملين ملفات مثقلة بالتحاليل، وأعباءً أثقل على كاهل عائلاتهم.
هذا الواقع الصعب، دفع إدارة المشفى مؤخراً إلى إصدار قرار يقضي بمجانية العلاج بشكل كامل، بما يشمل الفحوصات الطبية والعلاج والمتابعة، وذلك تنفيذاً للبروتوكول الصحي المبرم بين وزارة الصحة السورية ووزارة الصحة التركية. ويُنظر إلى القرار على أنه خطوة استثنائية في قطاع صحي يعاني من ضغط كبير ونقص مزمن في الإمكانات.
وبحسب أرقام تقديرية حصلت عليها "العربي الجديد" من المشفى، يراجع العيادات شهرياً ما بين 6 إلى 8 آلاف مريض من دمشق ومحافظات أخرى، بينهم نحو 1200 حالة تحتاج إلى فحوصات قلبية تخصصية (مثل الإيكو واختبارات الجهد)، فيما تُسجَّل شهرياً قرابة 300 حالة تستدعي قسطرة قلبية تشخيصية أو علاجية.
وقبل تطبيق القرار، كانت كلفة الفحوصات الأساسية تتراوح بين 150 و300 ألف ليرة سورية، في حين كانت كلفة القسطرة تتجاوز 4 ملايين ليرة، ما شكل عائقاً دفع عدداً كبيراً من المرضى لتأجيل التدخل الطبي، وهو ما أدى في كثير من الحالات إلى تدهور صحي يصعب تداركه، بحسب أطباء في المشفى.
وفي أحد أحياء دمشق الشعبية، يعيش عثمان لبابيدي (موظف خمسيني)، يعاني منذ سنوات من تضيق في الشرايين التاجية. يقول عثمان لـ"العربي الجديد" إنه اصطدم سابقاً بكلفة القسطرة التي نصحه الأطباء بها، ما اضطره للاعتماد على المسكنات مع خوف دائم من نوبة مفاجئة. ويضيف: "القلق لم يكن صحياً فقط، بل اقتصادياً أيضاً، إذ بت عاجزاً عن التخطيط لأي التزام مالي آخر".
اتفاقية "أنقرة": مشفيان ورواتب بالدولار
ويأتي هذا التطور ضمن اتفاقية تعاون صحي أعلن عنها وزير الصحة السوري، مصعب نزال العلي، خلال زيارة رسمية إلى العاصمة التركية أنقرة. وتهدف الاتفاقية إلى تشغيل واستكمال تجهيز مستشفيين محوريين في سورية: الأول "مستشفى دمر" بدمشق (310 أسرّة) والمقرر إنجازه خلال 90 يوماً، والثاني "مستشفى الأورام" في حلب (150 سريراً قابلاً للتوسع) والمقرر استكماله خلال 180 يوماً.
ووصف العلي، في تصريح لـ"العربي الجديد"، الاتفاقية بأنها "نقلة نوعية" لتقديم خدمات طبية متقدمة، وجزء من خطة أوسع لتحسين القطاع الصحي، مشيراً إلى "مفاجآت إيجابية" يجري العمل عليها.
وفي شق حيوي آخر، كشف الوزير أن الاتفاق يتضمن دعم الكادر الطبي في "مشفى دمر" من حيث الرواتب؛ بحيث يبلغ الحد الأدنى لراتب الطبيب المقيم نحو 700 دولار، فيما يصل راتب الطبيب المختص إلى 3000 دولار. وأوضح العلي أن هذه الرواتب "الدولارية" تأتي ضمن نموذج تجريبي بدأ في دمر، ويُعمل على تطبيقه قريباً في مشفى الأورام بحلب، لافتاً إلى أن تحسين الأجور يشكّل عنصراً أساسياً للحفاظ على الكوادر المتخصصة ووقف نزيف الهجرة الذي شهده القطاع، مع إمكانية توسيع التجربة لتشمل مشافي أخرى مستقبلاً.
ويرى مختصون ومرضى أن قرار مجانية العلاج القلبي، بالتوازي مع تحسين أجور الأطباء، قد يفتح نافذة أمل حقيقية لإعادة الثقة بالمشافي العامة، في انتظار تحول هذه الخطوات إلى سياسة مستدامة لا ترتبط فقط باتفاقيات مؤقتة.
