التسوّل الإلكتروني... أداة بتقنيات حديثة للابتزاز والاحتيال
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
صار التسوّل الرقمي من أبرز جرائم الاحتيال في مصر، سواء عبر البريد الإلكتروني أو الرسائل النصية أو الحسابات الوهمية على وسائل التواصل الاجتماعي. يشهد الفضاء الرقمي في مصر، مؤخراً، انتشاراً واسعاً لظاهرة التسوّل الإلكتروني، وهو إعادة إنتاج لصور التسوّل التقليدي بأساليب حديثة، حيث غدا الفقر، أو بالأحرى الشكوى من الفقر، السلعة الأكثر رواجاً. وتفشّت الظاهرة عبر فيديوهات توظف تقنيات الذكاء الاصطناعي لاستدرار العطف والشفقة، ما يدفع المانحين وفاعلي الخير إلى تقديم الدعم والمساندة، بينما يحقّق المتسوّلون ومدّعو الأمراض والضائقة المعيشية، مكاسب طائلة. ضمن مجموعة للتسويق العقاري على موقع "فيسبوك" حافلة بالتجار والسماسرة، ظهر منشور لا علاقة له بالعقارات، إذ طلبت صاحبة المنشور المساعدة في الإنفاق على ابنتها، ولم تطلب سوى 50 جنيهاً مصرياً، أي نحو دولار أميركي. الأمر الذي يُعدّ حالة مغرية للتعاطف والمساندة، من دون تكبد كلفة أو خسارة كبيرة في حال ظهر زيف المنشور. وخلال بحثه عن عقار، تعثر يسري (اسم مستعار) بذلك المنشور، ما دفعه إلى التواصل مع تلك المرأة عبر حسابها على "فيسبوك"، قبل أن تعرض عليه إمكانية مشاهدتها كما يحبّ عبر محادثات الفيديو، ولكن بعد أن يدفع لها المبلغ المطلوب. ويقول يسري لـ"العربي الجديد": "انتابني فوراً الشك في أنّني أمام عملية نصب مُحتملة، فهذا ليس تسوّلاً بريئاً. لكنّني قرّرتُ المضي في التجربة، فساومتُ المرأة على رؤيتها، وما كان منها إلا أن أرسلتْ لي مقطعاً مسجلاً بصوتها لتبديد شكوكي، وأعقبته برسالة تستفز رجولتي وأخلاقي، وأرسلتْ لي رقم متجر في شارع سكنها، كي أرسل المبلغ المطلوب، وحينما أردتُ الإجابة، فوجئتُ بأنها حظرتْ حسابي". وفي حديث خاص لـ"العربي الجديد"، يوضح أحد الناشطين في تلك المجموعة، أنّ صاحب ذلك الحساب اعتاد الدخول بأسماء مختلفة كل فترة، ناشراً العرض نفسه وبالألفاظ ذاتها وبالصورة نفسها، وهو رجل وليس امرأة، بحيث يستغل تطبيقات الذكاء الصناعي في توليد صوت امرأة يرسله إلى الضحايا، ما يفسّر احتمال أن يكون شابّاً مُلمّاً بالتقنيات الحديثة". ويتابع: "نفس الشخص يتبع نفس الخطة، من دون تغيير، معتمداً على ضآلة المبلغ المطلوب مقابل إغراء الرجال والشباب بمتعة محرّمة ودنيئة، ما يدفع البعض إلى المجازفة بمبلغ بسيط، لكنّه سيُراكم لدى صاحب الحساب مبالغ كبيرة، خصوصاً أنه يكرّر المنشور بنفس الأسلوب عبر مجموعات موقعَي "فيسبوك" و"تليغرام"، وغيرهما من وسائل التواصل الاجتماعي. وفي حال سقط ألف شخص ضحية هذا المنشور شهرياً، فإن صاحبه سيجني أكثر من 50 ألف جنيه، أي ما يعادل ألف دولار". ويقول أحد الضحايا لـ"العربي الجديد": "وصلتني رسالة من حساب يبدو حقيقياً، يحمل صورة رجل أربعيني، منشوراته دينية، وتعليقاته مهذبة. بدأ الحديث عن إعجابه بمنشور كتبته، ثم انتقل بسلاسة إلى رواية معاناته، وحاجته إلى عملية القلب المفتوح، وما يرافقها من فواتير مستشفى، فضلاً عن حاجيات أطفاله". ويشير إلى أن الرجل أرسل إليه صورة تقرير طبي، بدا للوهلة الأولى مقنعاً. ويتابع: "لكن التاريخ كان مختلفاً بين صورة وأخرى، والختم ذاته رأيته من قبل في قضية مشابهة. وحين طلبتُ رقم المستشفى، اختفى الرجل، وحُذف الحساب". تروي إحدى النساء تجربتها مع امرأة تدّعي أنّها أرملة، تتابع الضحايا وتنتظر منشوراً حزيناً، أو خبرَ فقدٍ، أو حتى شكوى عابرة من ضيق الحال، حتى تتواصل مع الشخص المعني، وتواسيه بعبارات من قبيل "حسيت بيك…أنا مرّيت بنفس الوجع". وتتابع لـ"العربي الجديد": "هكذا تبدأ علاقة قائمة على المشاركة الوجدانية، ثم يأتي الطلب بعد أسابيع، لا أيام. في البداية مبلغ صغير، ومن ثم أكبر. ثم أزمة جديدة لا تنتهي. وحين حاولتُ الانسحاب، هدّدتني ونعتتني بأنّني مثل البقيّة. إذاً، هو ابتزاز أخلاقي، لا مالي فقط". وإذ تؤكد أنّها تعلّمت الدرس، تستدرك بالقول: "كدتُ أسقط ضحية مرة أخرى في ذروة تعاطف المصريين مع أهالي غزة، إذ قرأتُ منشوراً لامرأة تدّعي أنّها غزّاوية لجأت إلى مصر مع أطفالها الأيتام، فلا أهل لها ولا دخل ولا أثاث. وعندما طلبتُ عنوانها أكدت أنها تفضل إرسال مبلغ مالي بدلاً من إرسال الأثاث، زاعمةً أنها تقيم في شقة غربي القاهرة، تبرّع بها أحد المحسنين لمساعدتها. وبعد إلحاحي عليها، تملّصتْ واختفت، لتظهر بمنشوراتٍ مماثلة عبر مجموعات عديدة معنية بتقديم المساعدات". أما عبر تطبيق "تيك توك"، فالأمر أكثر فجاجة وأشد احترافاً، حيث يُعرض بثّ مباشر لطفل يبكي وأم تصرخ وسط غرفة مظلمة، وحديث عن مرض نادر. ومع متابعة أحد هذه الحسابات لأيام، يبدو جليّاً أن الحكاية تتغير كل مرة، لكن الطفل هو نفسه، والبكاء ذاته، وحتى الجملة التي تقطع البثّ عند تحقيق "الهدف" هي ذاتها. ويلفت مصطفى نبيل، وهو أحد ضحايا التسول الإلكتروني، إلى أنّه لا يصدق الروايات، لكنّه يشعر بنعمة فعل الخير. ويضيف لـ"العربي الجديد": "في الشارع، يمكنك أن تدير وجهك وتمضي، لكن على الإنترنت، القصة تطاردك، تدخل بيتك، وهاتفك، وضميرك". ولم يعد غريباً على الشارع المصري انتشار منشورات وفيديوهات مُعدّة بتقنيات عالية، تنشد المساعدة بشكل مباشر أو غير مباشر، عبر مختلف وسائل التواصل الاجتماعي. ومن الأمثلة على ذلك: "توفي ابني وأحتاج كفناً"، أو الادّعاء بوجود أطفال يحتاجون إلى حقن باهظة الثمن. وتتنوع الأساليب بين نشر صور أطفال (غالباً مسروقة من صفحات أخرى)، وادّعاء حوادث سرقة طارئة، أو طلب تحويلات عبر المحافظ الإلكترونية. ويرى متخصصون أن هذه الممارسات تُصنّف "تسوّلاً إلكترونياً"، أي طلب المساعدة المالية عبر الإنترنت باستخدام المحتوى الرقمي لجذب التعاطف. ويقول خبير تكنولوجيا المعلومات محمد نجم لـ"العربي الجديد": "لا يختلف هذا النوع عن التسوّل التقليدي، إلا في استهدافه جمهوراً أوسع، مستغلاً خوارزميات التوصية التي تعزّز تأثير الرسائل، إذ إنّ خوارزميات فيسبوك وتيك توك مصمّمة لزيادة التفاعل، فهي تقدم المحتوى الذي يثير الانفعالات والعواطف، وهو ما يتوفر بكثرة في فيديوهات التسول". ويضيف: "الخوارزميات لا تفرّق بين المحتوى الإيجابي والسلبي، بل تركز على وقت المشاهدة والإعجاب والمشاركات لأهداف اقتصادية بحتة، وتساعد بالتالي في رواج هذه المنشورات، خصوصاً المدعومة بصور اجتماعية وعاطفية". ويوضح نجم أن "الأفراد ومؤسسات الجريمة المنظّمة أدركوا فاعلية الوسائل الحديثة في تحقيق مكاسب أسرع. لذلك، صار التسوّل الرقمي من أبرز جرائم الاحتيال المعاصر، سواء عبر البريد الإلكتروني أو الرسائل النصية أو الحسابات الوهمية. كما أن خطر التسول الإلكتروني فاق التقليدي لانتشاره العابر للحدود"، مؤكداً أن التكنولوجيا لا تشجع على التسول، لكن المحترفين يوظفونها لتحقيق مآربهم. من جانبه، يرى خبير شبكات التواصل الاجتماعي أسامة مصطفى أن الظاهرة صارت صورة طبق الأصل عن الشارع، لكنها "أكثر لياقة" كونها تتخفّى وراء الشاشات، وتستخدم الذكاء الاصطناعي لإنتاج فيديوهات يكون مضمونها أكثر بؤساً من الواقع. وينبّه إلى بروز ما يُسمّى عملية "التبرّع الكسول"، إذ لا يكلف المتبرّع نفسه عناء التدقيق، بل يريد الشعور براحة الضمير فقط، ما يضاعف أرباح أصحاب الصفحات المزيّفة. على الصعيد القانوني، تفتقر العديد من الدول العربية إلى نصوص صريحة تُعرّف "التسوّل الإلكتروني" مقارنة بالتسوّل التقليدي، ما يفتح الباب لاستغلال الثغرات. ففي مصر، وعلى الرغم من وجود قوانين مكافحة جرائم تقنية المعلومات، يُصعّب غياب مصطلح "التسوّل الإلكتروني" المساءلة ما لم يُثبَّت الاحتيال الصريح.  ويشير الحقوقي والمحامي بالنقض عادل معوض إلى أن القانون المصري رقم 49 لسنة 1933، كافح التسوّل واعتبره جنحة تصل عقوبتها إلى الحبس، كما منح بعض الموظفين مثل كمساري القطار (الجُباة أو قاطعو التذاكر) سلطة الضبطية القضائية لمواجهته. ويؤكد أن القانون يُجرّم طلب التبرعات من دون ترخيص، وأن خطر التسول الإلكتروني يفوق التسول التقليدي بعشرات المرات. ويشدّد معوض على ضرورة قيام مباحث الإنترنت بدورها، محذراً من تكرار خطأ التعامل المتأخر مع ظاهرة "التيك توكرز". وينصح المانحين بحصر التبرع فقط للجهات الرسمية، والتحقق من صحة القصص المنشورة، وعدم إرسال الأموال لحسابات شخصية، والإبلاغ عن الصفحات المشبوهة. ويعتبر معوض أنّ مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تضافر الجهود الأمنية والقضائية والتوعوية، لمنع تشويه صورة العمل الخيري وحماية المجتمع من الاحتيال المالي المُغلّف بالعاطفة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية