مصر وكأس أفريقيا والمغرب والرياضة
عربي
منذ يومين
مشاركة
تثير بطولة كأس الأمم الأفريقية، التي انتهت قبل أيام، أسئلةً عن القطاع الرياضي في مصر، وتثير في النفس شجوناً ومقارنات، لعلّنا نحاول صياغتها أسئلةً في طريق البحث عن أجوبة تنفع الناس في رياضة يُفترض أنها للناس وبالناس؛ خصوصاً أن لدى مصر، على مستوى الرياضة، مشكلات لا تتعلّق بفرق كرة القدم أو الأندية الكبرى فقط، بل أيضاً بالحقّ الدستوري في ممارسة الرياضة: إتاحةً وجودةً وواقعاً. صحيحٌ أن مصر هي الأكثر تتويجاً بكأس أفريقيا، لكن أغلب المصريين لا يتمتّعون بالحقّ في الرياضة، ومنجزات مصر في هذا المضمار تتراجع كثيراً. فخلال العقد الماضي، خُصخصت ملاعب كرة القدم التي كانت تُدار بوساطة جمعياتٍ، أهلية مِلك للناس وللدولة، عبر شركاتٍ مشبوهة، حوّلت الحقّ في ممارسة الرياضة إلى سلعة غالية على الغالبية العظمى من المصريين؛ فلم تعد الكرة للجماهير، وإنما لمن يدفع أكثر ولمن لديه واسطة أكبر. وهذا ما تشير إليه التقارير الرسمية، وفي مقدّمتها "النشرة السنوية لإحصاء النشاط الرياضي في المنشآت الرياضية لعام 2024"، التي صدرت في يناير/ كانون الثاني الجاري، وتشير إلى انخفاضٍ في مؤشّرات مهمّة، منها عدد اللاعبين والمباريات والمدرّبين بين عامي 2023 و2024، وفي المدن والقرى بنسب انخفاض متفاوتة، مع إشارة واضحة إلى خصخصة النشاط الرياضي؛ إذ بلغ عدد الأندية الرياضية 812 نادياً (90، قطاع حكومي و127، قطاع عام/ أعمال و595، قطاع خاص). بينما يحقّق المغرب إنجازات هائلة، ليس في المضمار الرياضي فقط (كأس العالم وكأس العرب وكأس الأمم الأفريقية لعباً وتنظيماً)، بل في مجال تدعيم مبدأ الرياضة للجميع عبر مبادرة "ملاعب القرب" التي توجد في المدن المغربية كافّة، وتديرها أو تساهم في إدارتها جمعيات أهلية، وبعضها مفتوح لجميع المواطنين المغاربة من دون أن يكونوا أعضاء في هذه الجمعيات. وفي المقابل، خصخصت مصر غالبية ساحات لعب الكرة وأنديتها. صحيحٌ أن التجربة، ومن خلال تعليقات بعض الأصدقاء المغاربة، تشوبها بعض ملاحظات بشأن من يديرون تلك الجمعيات وأموالها، لكنّك عندما تسير في أحياء المغرب ومدنه، من شماله إلى جنوبه، ستجد هذه الملاعب عامرةً بالفئات العمرية كلّها، من ثلاث سنوات إلى كل الأجيال الأكبر، في وسط الأسبوع. أما في نهايته فإنها عامرة بمئات آلافٍ من المغاربة الذين يمارسون أو يشاهدون أبناءهم يمارسون كرة القدم. غالبية أطفال المغرب، بل والكبار، يستطيعون ممارسة كرة القدم في كل الأيام بحرّية تامة وأسعار زهيدة وعلى سبيل المثال، ولتقريب الصورة من أذهان القرّاء، في مدينة تطوان (620 ألف نسمة) قرابة 40 ملعباً، مع وعود بإنشاء أكثر من 20 ملعباً آخر لتكون قريبة لسكّان القرى البعيدة، بينما لا يتوافر هذا العدد من الملاعب البلدية في العديد من محافظات مصر الكبيرة التي يتجاوز سكّانها خمسة ملايين. والحديث هنا عن فجوة هائلة في توفير البنية التحتية الأساسية للحقّ في الرياضة وإتاحته، وهو الحقّ الذي لا يخصّ الشباب وحدهم بل جميع المصريين. على المصريين، إذن، أن يتساءلوا: أين تذهب هذه المخصّصات كلّها إلى الأندية وكرة القدم؟ وعليهم أن يحاسبوا القائمين على المؤسّسات الرياضية بحسم على السنوات الضائعة من عمر (وصحّة) المصريين، الذين لا يجدون الوقت ولا المال ولا البنية التحتية لممارسة أبسط الرياضات وأكثرها شعبية: كرة القدم. وبينما يخضع أيّ طفل وأهله في مصر لمساوماتٍ ومشكلاتٍ تتعلّق بإدارات الأندية واتحادات كرة القدم والعلاقات الشخصية، ومواعيد تتعارض غالباً مع مواعيد الدراسة والعمل، وبأسعار غير منطقية بالنسبة إلى أغلب الأسر المصرية، فإن غالبية أطفال المغرب، بل والكبار، يستطيعون ممارسة كرة القدم في كل الأيام بحرّية تامة وأسعار زهيدة. ولا يقتصر الأمر على كرة القدم وحدها؛ فالمسابح البلدية تتوافر في عمالات ومدن المغرب الكبيرة والصغيرة، وفي مساحات ممتازة، وبمعايير مقبولة نظافةً وتسعيراً وإدارةً وغيرها. وهي متاحة للشباب والفتيات بتوقيتات منفصلة، وطوال العام (صيفاً وشتاء). وإن كان بعضهم يشكو من أسعارها، إلا أن أغلاها لا يوازي أيَّ اشتراك في مسبح خاص أو تابع لأحد الأندية في مصرنا الغالية، التي خُصخصت مرافقها الرياضية أو أُديرت بمنطق السوق. يجب أن تدرك أيُّ حكومة أن الحقّ في الرياضة آلية لزيادة الرضا العام عن الأداء الحكومي بل إذا جئنا إلى الحقّ في المشي وتوفير ممشى رياضي للسكّان، فإن المشروع الذي أُطلق تحت عنوان "ممشى أهل مصر" تحوّل إلى مادّة للسخرية، بعدما تفتقت أذهان بعض المسؤولين بضرورة فرض رسوم وتذكرة على دخول الممشى في قلب القاهرة، في ظاهرة لا مثيل لها في العالم. وواجه الأمر عدّة مشكلات مع الأسف الشديد. بينما المدن المغربية فيها شوارع أكثر تنظيماً من مدن مصر، والشواطئ مفتوحة للعامة، ولديها خدمات بلدية متميّزة تتيح وصولاً مباشراً وحراً ومفتوحاً للمحيط والبحر المتوسط، بل وتفرض قيوداً صارمةً على الفنادق والمطاعم والمؤسّسات الخاصة والعامة الموجودة في الشواطئ. لن تجد في أيٍّ من مدن مصر شاطئاً مفتوحاً ومرفقاً مثل أصغر مدينة مغربية، مثل مدينة المضيق أو الفنيدق. بل إن هناك فجوة شاسعة في ما يرتبط بالحقّ في الحدائق العامة، التي هي إحدى ساحات ممارسة الرياضة في أغلب البلدان. وهنا يمكن أن نرى الحدائق العامة في الرباط ومراكش بقلب مناطقها السياحية بالقرب من ساحة جامع الفناء، وأغادير وحدائقها وساحاتها الرياضية البلدية، فضلاً عن الحدائق والغابات والشواطئ المفتوحة للجمهور بطول سواحل مدن الشمال، التي نأمل أن يزورها مسؤولو البلديات والرياضة في مصر ليتعرّفوا إلى الحقّ في الرياضة والحدائق العامة، وكيف تديره البلديات المنتخبة بالتعاون مع الجهات الرياضية الأخرى. بطبيعة الحال، نتمنّى أن تكون الرياضة والحقّ فيها ضمن أولويات هذه الحكومة، وأيّ حكومة وطنية مصرية يجب أن تدرك أن الحقّ في ممارسة الرياضة، وفي الحدائق والشواطئ العامة، جزء مهمّ من آليات تنفيس الغضب الاقتصادي والاجتماعي والسياسي المتراكم، أو على أقلّ تقدير، هو آلية لزيادة الرضا العام عن الأداء الحكومي في بعض القطاعات، وبالذات لدى فئة الشباب الذين تزداد لديهم البطالة، وترتفع بينهم معدّلات الإدمان. وبالتالي، فإن ضمان هذا الحقّ في الرياضة يمكن أن يسهم في إيجاد مسار مجّاني لصرف طاقاتهم الهائلة نحو تحسين الذات، ويسهم في تحسين مؤشّرات مصر الرياضية والصحّية على حد سواء.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية