معركة الإقناع تتعقّد.. والوعي الإعلامي خطّ الدفاع
عربي
منذ 3 أيام
مشاركة
تظهر أمامنا يوميًّا أخبار ومقاطع مصوّرة تبدو شديدة الدقّة، يتداولها الناس باعتبارها حقائق، ويستند بعضهم إليها لإطلاق المواقف والآراء. لكن ما يلبث أن يتبيّن لاحقًا أنّ جزءًا من هذا المُحتوى ليس سوى نتاج لتقنيات التزييف العميق المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والتي باتت قادرة على إنتاج صور وفيديوهات وصوتيات يصعب تمييزها من الواقع. هذا الواقع الجديد لا يكشف فقط عن قوّة التكنولوجيا، بل يضعنا نحن الصحافيين قبل الجمهور أمام تحدٍّ خطير: كيف نحمي مهنيّتنا وموضوعيّتنا ومعايير الدقّة الصحافية من التأثّر بمحتوى يبدو حقيقيًّا، لكنه في جوهره مُصمّم للتلاعب؟ في ظلّ هذا التحوّل، يصبح الوعي الإعلامي المهني حجر الأساس في مواجهة التأثير المتزايد للذكاء الاصطناعي على معركة الإقناع. فالمسألة لم تعد مجرّد تمييز بين خبر صحيح وآخر كاذب؛ بل تتعلّق بفهم عميق لكيفية صناعة المحتوى، والآليات التي تستخدمها الخوارزميات لتشكيل طريقة تفكيرنا والتأثير في القرارات والمواقف. وتشير دراسات حديثة إلى أنّ الرسائل التي ينتجها الذكاء الاصطناعي يمكن أن تكون أكثر قدرة على الإقناع من الرسائل البشرية، لأنها تُكتب بناءً على تحليل دقيق للسمات النفسية والسلوكية للمُستخدم. بعض التجارب العلمية أظهرت أنّ محادثات قصيرة مع أنظمة الدردشة الذكية قادرة على تغيير آراء المشاركين، ما يؤكّد خطورة هذا التأثير، خصوصًا عندما يُستخدم في سياقات إعلامية أو سياسية. لم يعد الصحافي يتعامل مع محتوى مُحايد، بل مع محتوى "يعرف جمهوره" ويستهدفه بدقة ويكشف عدد من الأبحاث أنّ أنظمة الذكاء الاصطناعي لا تعتمد فقط على البيانات العامة، بل تُدمج فيها تقنيات تسمّى "نماذج الشخصية الرقمية"، والتي تَستخلص ملامح الفرد النفسية من كتاباته وتفاعلاته اليومية. هذا يعني أنّ الرسائل الموجّهة ليست عشوائية، بل مُصمّمة لتُناسب طريقة تفكير الفرد ومشاعره ونقاط ضعفه. وهنا تتضاعف أهمية الوعي الإعلامي، لأنّ الصحافي لم يعد يتعامل مع محتوى مُحايد، بل مع محتوى "يعرف جمهوره" ويستهدفه بدقة، ما يفرض عليه مسؤولية مُضاعفة في الفرز والتحليل قبل النقل أو إعادة النشر. كما تؤكّد أبحاث أخرى أنّ المُحتوى المولّد آليًّا يمكنه خلق شعور زائف بالثقة، إذ يميل البعض إلى اعتبار النبرة الهادئة والمنطقية التي ينتجها الذكاء الاصطناعي دليلًا على الموثوقية، رغم أنّ هذه النبرة قد تكون جزءًا من تقنيات الإقناع المُبرمجة مُسبقًا. ومن هنا، يتضح أنّ الوعي الإعلامي المهني ينبغي أن يتجاوز مفهوم التحقّق من المعلومات إلى فهم خريطة التأثير: كيف تُختار الرسائل؟ كيف تُصنع؟ كيف تُوجَّه؟ ولماذا تصل إلى هذا الجمهور دون غيره؟ إنّ تطوير هذا الفهم يمنح الصحافي قدرة على مواجهة الإقناع الخفي بدل الوقوع في فخّه. لم يعد التلاعب بالمعلومات مُقتصرًا على النصوص، بل أصبح يشمل صورًا لوجوه تبدو واقعية ومع الانتشار الهائل لتقنيات التزييف العميق، لم يعد التلاعب بالمعلومات مقتصرًا على النصوص، بل أصبح يشمل صورًا لوجوه تبدو واقعية، وأصواتًا مطابقة تمامًا للأصوات البشرية، ومقاطع فيديو يمكن أن تُنسب إلى أشخاص لم ينطقوا بكلمة منها. هنا يبرز التحدي الأكبر أمام الصحافة: امتلاك أدوات تحقّق حديثة، والقدرة على استخدام تقنيات تحليل الفيديو والصوت، وتطوير مهارات جديدة لفهم الخوارزميات ومسارات انتشار المعلومات. وفي السياق المهني، لا يكمن التحدي فقط في كشف المحتوى المُضلِّل، بل في بناء منظومة تحرٍّ صحافي تتماشى مع سرعة الذكاء الاصطناعي ودقّته. فالمسألة لم تعد مجرّد تفنيد خبر أو تصحيح معلومة، بل باتت تتطلّب منهجيات جديدة في التدقيق البصري والصوتي، وتحليل البيانات، وفهم بنية المُحتوى الموجَّه، لضمان عدم انزلاق العمل الصحافي نفسه إلى إعادة نشر ما يُراد به التأثير والتلاعب. في النهاية، إنّ معركة الإقناع في عصر الذكاء الاصطناعي ليست معركة بين البشر والآلات فقط، بل هي معركة بين الوعي المهني والتأثير الخفي. وكلّما ارتفع مستوى الوعي الإعلامي لدى الصحافيين والمؤسسات، تقلّصت مساحة التضليل، واتسعت قدرة المجتمع على حماية ذاته، معرفيًّا وفكريًّا. فالوعي الإعلامي اليوم لم يعد مهارة إضافية، بل أصبح خطّ الدفاع الأوّل عن الحقيقة وعن جوهر المهنة الصحافية نفسها.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية