عربي
في تطور يعكس تصاعد القلق الرسمي، عقد رئيس حكومة غرينلاند ينس- فريدريك نيلسن ونائبه موتي ب. إيغيدي، ظهر اليوم الثلاثاء، مؤتمراً صحافياً في مقر الحكومة بالعاصمة نوك، أكدا فيه أن "السلطات لا تستبعد أي سيناريو، بما في ذلك الاحتمالات الأمنية غير المرجحة، لكنها تستوجب الاستعداد". وقال نيلسن: "استخدام القوة العسكرية غير مرجّح، لكنه غير مستبعد تماماً. لذلك يجب أن نكون مستعدين لكل الاحتمالات".
ويأتي هذا الموقف في وقت تتكثف فيه تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب قُبيل انعقاد المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، حيث أعلن عزمه على مناقشة "شراء غرينلاند"، ونشر أيضاً رسائل خاصة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ومن رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستوره والرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً داخل أوروبا.
ثلاث رسائل أساسية من نوك
وحرص رئيس الحكومة ونائبه على إيصال ثلاث رسائل رئيسية خلال المؤتمر الصحافي: أولاً، أن حكومة غرينلاند تتعامل بجدية مع الواقع السياسي الجديد، خصوصاً بعدما لوّح الرئيس الأميركي، بشكل مباشر وغير مباشر، بإمكانية استخدام أدوات ضغط غير تقليدية، من بينها القوة أو العقوبات الاقتصادية. ثانياً، أن احترام وحدة وسيادة غرينلاند خط أحمر، وأن أي نقاش حول مستقبل الجزيرة يجب أن ينطلق من القانون الدولي وحق السكان في تقرير المصير. ثالثاً، أن الاستعداد لا يعني الذعر، بل التنظيم والتنسيق والجاهزية، سواء على مستوى الدولة أو المجتمع.
وأكد نيلسن وإيغيدي أنهما يتمنيان على القادة المشاركين في دافوس إعادة التأكيد العلني على مبادئ القانون الدولي وعدم جواز الاستحواذ على الأراضي بالقوة أو بالضغط السياسي. وأعاد نيلسن التأكيد على أن ما يجري "لا يخص غرينلاند، بل كل القوانين والمواثيق الدولية"، مشدداً على أن غرينلاند منفتحة على التعاون مع الجميع "في سياق الاحترام المتبادل وحق شعب غرينلاند بالسيادة وتقرير المصير".
فريق طوارئ وحملة توعية للسكان
وفي خطوة عملية، أعلن نائب رئيس الحكومة وزير المالية والضرائب موتي ب. إيغيدي عن تشكيل فريق تنسيق للاستجابة للطوارئ، يضم مختلف الجهات المعنية، من الإدارات الحكومية وشرطة غرينلاند إلى قيادة القطب الشمالي، بهدف تعزيز الجاهزية لأي تطورات غير متوقعة. وقال إيغيدي: "سيكون هذا الفريق أداة تنسيق للمستقبل، وسيعمل على إطلاع المجتمع بأكمله على ما يمكن فعله في حالات الطوارئ"، وقال إنه في الأيام المقبلة، ستصدر حكومة غرينلاند بيانات مختلفة للمجتمع، تتضمن إرشادات وتوجيهات حول ما يمكن للأفراد القيام به.
كما دعا المواطنين إلى التأكد من توفر احتياجات أساسية تكفي لمدة خمسة أيام، في إطار إجراءات احترازية عامة، موضحاً أن هذا التوجه لا يعني توقع سيناريو محدد، بل يعكس مسؤولية جماعية في ظل مناخ دولي مضطرب. وأضاف: "الاستعداد لا يقع على عاتق الحكومة وحدها. علينا جميعاً أن نكون مستعدين، وأن نتكاتف". يأتي ذلك في ظل تزايد القلق الشعبي في غرينلاند، حيث يؤكد الناس مراراً أن بلدهم "بلد مسالم ولا نريد الحروب ولا العسكرة".
ورداً على تساؤلات الصحافيين حول سبب صدور هذه الرسائل التحذيرية في هذا التوقيت تحديداً، أوضح نيلسن أن الحكومة كانت منذ البداية تتعامل بجدية مع التطورات، لكنها فضّلت عدم التصعيد الإعلامي، وأشار إلى أنه لم يستخدم توصيف "الوضع خطير" علناً إلا في مقابلة في منتصف يناير/كانون الثاني الحالي، بعدما ترافقت تصريحات ترامب مع تهديدات بفرض حرب تجارية على الدول التي تُظهر تضامناً عملياً مع الدنمارك وغرينلاند.
ظلّ ترامب حاضر في القاعة
وهيمنت تصريحات الرئيس الأميركي الأخيرة على جزء كبير من الأسئلة الموجهة للحكومة الغرينلاندية، خصوصاً بعد رده المثير للجدل على رئيس الوزراء النرويجي، حيث ربط بشكل نرجسي بين عدم منحه جائزة نوبل للسلام وبين موقفه من غرينلاند، معلناً أنه لم يعد "ملتزماً بالتفكير حصراً في السلام". ويُنظر في نوك إلى هذا الربط على أساس أنه يعكس ذهنية تصعيدية وشخصنة مفرطة للسياسة الدولية، تقوم على خلط مشاعر الإحباط الشخصي بالقرارات الجيوسياسية الكبرى، إضافة إلى سوء فهم واضح لطبيعة جائزة نوبل للسلام، التي لا تمنحها الحكومة النرويجية.
وشدد نيلسن في ختام المؤتمر على أن غرينلاند ستواصل تعاونها الوثيق مع الدنمارك، إلى جانب الحوار البنّاء مع الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي وشركاء آخرين، وقال: "نحن منخرطون في تعزيز هذا التعاون، لأن الاستقرار في غرينلاند ليس شأناً محلياً فقط، بل جزء من أمن أوسع في القطب الشمالي". وأكد ينس-فريدريك نيلسن على ضرورة استمرار غرينلاند في تعاونها مع الدنمارك، وأن غرينلاند منخرطة في حوار بنّاء مع الاتحاد الأوروبي وحلفائها الآخرين.
وثمن التضامن الأوروبي مع بلده، مطالباً بمزيد من التضامن، ورفض التعليق على فرضية عودة غرينلاند للانضمام إلى النادي الأوروبي الذي خرجت منه في 1985 إثر استفتاء شعبي. وبينما تتجه أنظار العالم إلى دافوس، تبدو غرينلاند، للمرة الأولى منذ سنوات، في قلب معادلة دولية متوترة، تحاول حكومتها أن توازن فيها بين الطمأنة والاستعداد، وبين رفض التصعيد وعدم تجاهل المخاطر.

أخبار ذات صلة.
أسعار اللحوم في ليبيا تقفز 29% خلال أيام
العربي الجديد
منذ 34 دقيقة
"الخطر السنّي"... ما بعد محور الممانعة
العربي الجديد
منذ 35 دقيقة