عربي
ما يجري حالياً في سورية، وقبلها في العراق واليمن وليبيا، جديرٌ بأن نفكّكه خارج السرديات المحتفية بالغلبة. فبعد عقدٍ ونصف عقد تقريباً من اندلاع ثورات الربيع العربي، تبدو الحصيلة في مجملها سلبيةً؛ فباستثناء مكاسب هنا وهناك، لا تتجاوز مربّعاتٍ صغيرة من حرية الرأي وحقّ التنظّم، تنتصب علاماتُ الإخفاق شاهقةً لا يمكن نكرانها. غير أن هذه المقالة ستكتفي، لأسباب عديدة، بالوقوف عند معضلة الدولة في ظلّ هذا الإخفاق الكبير؛ ففي أكثر من بلد شهد هذه الثورات بدت الدولة مفكّكةً، فاقدةً جلّ أدوارها، حتى عُدّت دولاً فاشلة.
الدولة، كما يذكّرنا دوماً عبد الله العروي، اختراعٌ حديثٌ، لكنّها غدت في مجرى تاريخها ضرورةً وجودية، على نحو ما أشار إليه هيغل. ... كانت الدولة إحدى ضحايا ثورات الربيع العربي، ولا يعني هذا الإقرار أنها كانت في أفضل حالاتها قبل اندلاع شرارته، غير أن هذا الأخير قد يكون المثير الذي كشف أعطابها وجعلها جليّةً بائنة، وقد ستر القمع والاستبداد عيوبها وحجبا عللها المزمنة.
ظلّت التوافقات التاريخية الكبرى التي تكفّلت بها الدولة العميقة المؤتمنة عليها قائمةً من دون تغييرات كبرى
ورثت نُخب الاستقلال في الوطن العربي دولاً فتيةً، بعضُها كان مصطنعاً؛ تولّت القوى الاستعمارية تشكيل مجالها الجغرافي ونُخبها، وجزءاً كبيراً من التوافقات التاريخية الكبرى بين مختلف مكوّناتها بما يفيد هُويّةً وطنيةً متميّزة. وذلك لم يكن مجرّد ابتكارٍ استعماريّ اعتباطي، بل أُخذت بالاعتبار (في أحيانٍ كثيرة) جملةً من معطيات التاريخ وحقائق القوى الاجتماعية التي تمسك بالأرض، فضلاً عن ميزان القوى الدولية. ولم تفلح ثورات التحرّر الوطني، بقطع النظر عن أيديولوجياتها (وطبيعة) القوى الاجتماعية التي قادتها، في قلب المعادلة إلا في حالات قليلة دُوِّرت فيها النُّخب فحسب: من نُخبٍ مدينية إلى نُخبٍ ريفية، من انفتاحٍ ليبرالي إلى اشتراكياتٍ رثّة، من تعدّدياتٍ ثقافية بدائية إلى أحاديةٍ شمولية. ومع ذلك، ظلّت "التوافقات التاريخية الكبرى" التي تكفّلت بها الدولة العميقة المؤتمنة عليها، أو تعديلها للضرورة القصوى، قائمةً من دون تغييرات كبرى.
حلّت الثورات العربية في ما يقارب خمس دول، وباستثناء تونس ومصر لأسباب عديدة، تمزّقت البقية إلى كيانات مشتّتة سرعان ما جرت بينها حروبٌ دامية لا يزال سعيرها ملتهباً. انقسمت ليبيا بين شطرَين أو أكثر: شرقٍ وغربٍ، لكلٍّ منهما جيشٌ عرمرم، ويكدّسان السلاح ويغذّيان حالة الاصطفاف الإقليمي. ولم تفلح كل المؤتمرات والوساطات في توحيد البلاد بعد أكثر من عقد. وتخفي الحالة الليبية إخفاقاً كثيراً في رتق هذه الشروخ العميقة التي رافقت نشأة الدولة الليبية الحديثة؛ وكأن ثورتها كانت فرصةً سانحةً لمساءلة هذا التراث المتعسّف كلّه، من توحيدٍ قسريّ للمكوّنات.
ولا تبتعد الحالة اليمنية كثيراً؛ إذ لم تفشل ثورتها السلمية فحسب، بل أدّت إلى حربٍ بين نصفَين: شمالٍ وجنوبٍ، تعدّدت المواجهات بينهما منذ ستينيّات القرن الفائت، وتعدّدت أيضاً تجارب الوحدة بينهما؛ غير أن هذه المرّة ينضاف إلى تلك الصراعات كلّها انقسامٌ طائفي لم تعرفه اليمن من قبل، ولعلّ ذلك ناجمٌ عن شراسة الاصطفاف المذهبي الإقليمي الذي عرفته المنطقة بعد انتصار الثورة الإيرانية في ثمانينيّات القرن الفائت، وهو ما حفّز مختلف أشكال التشيّع: العقدي والسياسي، الذي تمدّد خارج إيران إلى العراق ولبنان واليمن، إلخ.
غدت دولة الحداثة حاجةً وجوديةً سياسيةً، وتكاد تفنيها كياناتٌ خِلنا أنها انقرضت
وتنبئنا الحالة السورية الراهنة بالتفاصيل نفسها التي استعرضناها في الحالتَين، الليبية واليمنية، وإن بشيءٍ من "التوابل الشاميّة". فما إن تعسكرت الثورة السورية ودخلت البلاد حالةً من حرب الكل ضدّ الكل، حتى قذفت بحمم الصراعات الطائفية والمذهبية والعرقية. إنها أكثر البلدان تورّطاً في هذه الانشطارات. ولا أعتقد أن الثورة السورية هي التي قذفت هذه الحمم المتفجّرة في وجوهنا جميعاً، لكن يبدو أن تدبير الدولة السورية، وتحديداً مع تجربة حزب البعث في الحكم، لإدارة التعدّد والاختلاف كان هو السبب الرئيس. فعندما تعمد الدولة إلى طمس التعدّد والاختلاف تحت مفاعيل القمع والعنف الأهوج المعمّم، تزدهر "صناعة الأقليات"، ويغذّيها عادة إرثٌ كولونيالي زرع بذور ذلك، وصنع فيها مسألة الأقليات والطائفية بالمعنى السياسي تحديداً. لقد كان الاجتماع البشري في بلداننا قائماً على أسسٍ أخرى لا تلعب فيها هذه المكوّنات دوراً بارزاً؛ وقد صُنِّع هذا كلّه ضمن حداثةٍ سياسية (في جزء كبير منها) مبيدة للهُويّة الجامعة.
لا يعني ما جاء أعلاه أن الحداثة السياسية وتوق الناس إلى قيمها (على غرار الحرية والعدالة والحقّ في التعدّد والاختلاف) يشكّل إرثاً سياسياً علينا شيطنته بحثاً عن نكوصٍ إلى تراثٍ سياسي قديم عجزت مفرداته عن أن تكون وعاءً للاجتماع السياسي الحديث. ولكن يبدو أن الدولة "المُستورَدة" (من الحداثة طبعاً)، على حد عبارة برتران بادي، غدت حاجةً وجوديةً سياسية، وهي التي تكاد تفنيها كياناتٌ سياسية خِلنا أنها انقرضت. فكيف يمكن أن تستعيد الدولة قدرتها على أن تكون دولةَ الجميع بلا استثناء؟ دولةَ المواطنة التي يتساوى فيها الأفراد والجماعات، ولا تسمح طوعاً بأن تكون تلك المكوّنات ملاذاً لهُويّاتهم التحتية.
