الستاند أب كوميدي في سورية... الضحك ولو ساعة فقط
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
لم تكن الكوميديا في سورية يوماً مجرّد وسيلة للتسلية، بل شكّلت في كثير من مراحلها مختبراً غير معلن لقياس حدود القول الممكن. فمن "فضاء الفرجة" الذي شيده أبو خليل القبّاني عبر المسرح الغنائي والحكاية الشعبية، إلى السخرية التي استخدمها سعد الله ونّوس لتفكيك السلطة والهزيمة، ثم الضحكة المُرّة التي قربها محمد الماغوط من الشارع، تبلورت نبرة سورية خاصة تمزج بين المفارقة والكوميديا السوداء. مع الوقت، وجدت هذه النبرة طريقها إلى التلفزيون في أعمال مثل "مرايا" و"بقعة ضوء" و"ضيعة ضايعة"، إذ تحوّل النقد إلى لوحات تتجاوز الرقابة بالرمز والمجاز. اليوم، تنتقل السلسلة نفسها إلى شكل أكثر مباشرة مع الستاند أب كوميدي، فيتقدّم المؤدي باسمه، ويحكي بضمير المتكلم أمام جمهور قريب في مقاهي دمشق ومسارحها. ضمن هذا السياق، تبرز تجربتان حديثتان بملامح مختلفة، هما "ستيريا" و"غيغل". يبدو واضحاً أن كلاً منهما وُلدت من الحاجة إلى مساحة تجريب، في مدينة مثقلة، وأن الفكرة في جوهرها بسيطة: أن يكون الضحك وسيلة لاستعادة الصوت الفردي ولو ساعة واحدة. في حديث إلى "العربي الجديد"، يشرح أحد مؤسسي "ستيريا"، ملكي ماردينلي، جذور التصاق الضحك السوري بالكوميديا السوداء والنقد الاجتماعي والسياسي. فالكوميديا في التلفزيون، كما يقول، أدّت دور "التفريغ المضبوط" الذي لا يخرج إلى الحياة العامة ولا يترك أثراً فعلياً. وهكذا، ورغم حضورها الشعبي، لم تتوفر للكوميديا السورية شروط التحوّل إلى حركة مسرحية مستقلة: لا فضاءات ثابتة للعروض، ولا شبكة مسارح كوميدية، ولا بيئة ثقافية تحمي الفن من البقاء في خانة الفاصل الآمن. ومع تراجع محاولات أجيال أسبق، أصبحت الكوميديا السوداء أقرب إلى "قدر يومي"، انعكاساً لواقع يفرض نفسه على مجتمع مُنهك. بدوره، يرى مدير التسويق في "غيغل" مؤيد شاهين أن الضحك في سورية كان "وسيلة ذكية للبقاء". فحين يضيق هامش التصريح، تتحول السخرية إلى أداة أمان، وتغدو الكوميديا السوداء لغة مناسبة لتمرير أفكار كبيرة بصياغة خفيفة، كما فعلت النماذج التلفزيونية الأكثر انتشاراً. بهذا المعنى، لم تكن الكوميديا السوداء مجرّد نوع فني، بل حلاً عملياً لتجاوز المحظور. لكن كيف ظهر الستاند أب في سورية؟ وهل كانت البلاد متأخرة فعلاً عن موجته؟ يرفض ماردينلي فكرة "التأخر المطلق". فالموجة العالمية الحديثة للستاند أب تبلورت بين 2016 و2017، وازدادت وضوحاً بين 2018 و2020، قبل أن تتسارع عربياً بعد جائحة كوفيد-19. الفارق، في تقديره، لا يتجاوز ثلاثاً إلى خمس سنوات عن البلدان التي شهدت ولادة نوادي الكوميديا منذ 2008. لكن المشهد في سورية أعقد، لأن هذا الفن يقوم أساساً على حرية التعبير واختبار الأفكار علناً، بينما جعل الواقع السياسي الخانق في ظل حكم بشار الأسد التجربة مكلفة وحساسة، حتى عندما تبدو صغيرة. ويوافقه شاهين في هذه القراءة؛ فالستاند أب يحتاج إلى بيئة تسمح بالتجربة والفشل، وهو ما كان شبه غائب. ليست المشكلة أن السوريين لم يرغبوا في هذا الفن، بل لأنّ شروطه العملية لم تكن متاحة: مسارح غير مجهزة، ثقافة عروض حيّة محدودة، وتوجّس عام يجعل أي مبادرة جديدة "محسوبة أكثر من اللازم". ولهذا، تبدو بدايات الستاند أب في دمشق أقرب إلى مبادرات تشق طريقها بحدّ أدنى من الإمكانات، وتبحث عن ثغرات اجتماعية قبل البحث عن اعتراف رسمي. يرى ماردينلي أن غياب التعليم الأكاديمي لم يكن عقبة أمام "ستيريا"، لأن العمل قائم على أسس كتابة النكتة: مراجع، كتب، وأوراق بحثية داخلية تُجمع وتُنقل للكوميديين الجدد، بما يجعل التعلم مستمراً ومنهجياً. يضيف شاهين أن غياب الأكاديمية قد يكون ميزة، لأن التعلم يجري من المسرح مباشرة ومن الجمهور ومن الخطأ، مع انفتاح الفريق على تنظيم ورش تدريب يقدمها أساتذة متخصصون في المسرح والتمثيل والكوميديا. يتفق الاثنان على أن "التعلم من الجمهور" يعكس جوهر الستاند أب: فالنكتة لا تولد مكتملة على الورق، بل تُكتب وتُجرَّب وتُعاد صياغتها وفق ردّ الفعل الحي. يشرح ماردينلي مسار التطور داخل "ستيريا": يبدأ الكوميديان في الأوبن مايك الأسبوعي، ثم ينتقل إلى "شوفل نايت"، فـ"كوميدي نايت"، ثم "شوكيس"، إذ يبني مادة أطول، وصولاً إلى "سبيشل" الذي يتطلب نحو عامين لصياغة ساعة متماسكة. تتخلل المراحل ورش كتابة وأداء وجلسات تصحيح فردية. يؤكد شاهين دور التسجيل المرئي: "يشاهد الكوميديان أداءه ليرى ما يجب تغييره"، فالستاند أب، كما يقول، "يُطبخ على الخشبة". يرى ماردينلي أن قوة "ستيريا" في تنوعها الداخلي، وفي الحوار المستمر بين أعضائها. تُقرأ النكتة من زوايا متعددة قبل أن تُقال، ويُعاد النظر في أي مادة قد تكون جارحة. أما شاهين، فيرى أن التنوع يمنح حساسية أعلى وذكاء أكبر في الكتابة، ويفتح المواضيع على مساحات أوسع، ويجعل الضحك "على أنفسنا قبل الآخرين". أما الجمهور، فيتشكّل بحسب جغرافية العرض. جمهور "ستيريا" غالباً سن أفراده فوق 18 عاماً، مع حضور كبير لجيل التسعينيات، إلى جانب مراهقين وكبار سن، وتتغير طبيعة المادة باختلاف المناطق. يشير شاهين إلى أن المكان يفرض نوع النكتة، وأن التحدي هو التكييف من دون فقدان الصوت الحقيقي. وهكذا يصبح الستاند أب في سورية فناً "محلياً جداً"، يعيش على تفاصيل الحياة اليومية. أما في ما يخص غياب الكوميديات السوريات، فيرى الفريقان أنه مرتبط بقسوة البيئة لا بندرة الموهبة. فالمواجهة المباشرة مع المجتمع أصعب على النساء في بيئة ذكورية، مع مخاوف من الوصم وغياب المساحات الآمنة، رغم وجود تغير تدريجي بطيء. يصف ماردينلي "الخطوط الحمراء" بأنها تتحدد عبر الحس الاجتماعي: ما يناسب مكاناً لا يناسب آخر، والهدف هو نشر الابتسامة وليس خلق المشاكل. أما شاهين فيسميها "لغة القاعة": تُعرف من الصمت والتوتر، والكوميديان الجيد لا يسعى إلى الصدمة بل إلى بناء تواصل. هنا، لا تكون الرقابة مؤسسة رسمية دائماً، بل مزيجاً من الحذر الذاتي وفهم المزاج العام. يرى ماردينلي أن السياسة عامل حاسم: منع استخدام مسارح الدولة يدفع الفرق إلى العمل في أماكن صغيرة محدودة الإمكانات. يشير شاهين إلى غياب الدعم اللوجستي والمالي، واعتماد الكثير من النفقات على التمويل الشخصي، مع دعم محدود من بعض الرعاة، وبحلم واضح: امتلاك مسرح خاص يسمح بالتوسع وبناء جمهور ثابت. في المحصلة، يبدو الستاند أب كوميدي في سورية امتداداً لإرث الكوميديا السوداء، لكنه ليس نسخة عنه. إنه انتقال من نقد يُقال بالرمز على الشاشة إلى اعتراف بصوت عالٍ على الخشبة، ومن شخصيات مكتوبة لتلبية شروط التلفزيون إلى أفراد يصعدون بأسمائهم وقصصهم. وما بين الحرية الموعودة والحدود المفروضة، يبقى الستاند أب كوميدي مساحة اختبار جديدة: هل يمكن للضحك أن يستعيد دوره بوصفه لغة حياة، لا مجرد "تفريغ مضبوط"؟ وهل يمكن للنكتة، في بلد مُنهك، أن تتجاوز وظيفة الترفيه إلى ما هو أعمق؟

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية