سرُّ من رأى
عربي
منذ ساعة
مشاركة
رغم أنني كنت أعرف نهاية الفيلم كونه بجانبه الأساسي نوعاً من وثائقي، وأنّ مكمن أهميته كان في تصويب فكرة راسخة في الوعي العام مفادها أنّ بداية المأساة الفلسطينية كانت في العام 1948، في حين أنّها فعلياً كانت في العام 1936، إلا أنّ الفيلم استطاع أن يستأثر بانتباهي طوال ساعتين من دون رفّة جفن، حتى من دون سحر الشاشات الضخمة لقاعات السينما، والتي تعطي، إضافة لأجهزة الصوت المتطوّرة، بعداً إضافياً لمتعة المشاهدة.  هكذا، وعلى الرغم من تواضع المكان في الأكاديمية الثقافية لمخيم مار الياس في بيروت، وانقطاع الكهرباء قبل نهاية الفيلم بخمس دقائق، ثم عودتها، كان "فلسطين 36" ببساطة فيلماً آسراً. مزيج من الوثائق المصوّرة، مُستخرج معظمها من أرشيف المُستعمر البريطاني الذي صوّر كلّ شيء في فلسطين الانتداب، من الحياة اليومية إلى الأحداث السياسية والأمنية، إضافة إلى شخصيات صمّمتها الكاتبة ومخرجة الفيلم، آن ماري جاسر، لتكون رموزاً لفئات مُتعدّدة لعبت أدوارها في ثورة ذلك العام التي أعقبت الإضراب الأطول في التاريخ أيّامها. كلّ ذلك في سردية حاولت الجمع بين مختلف طبقات المجتمع الفلسطيني، إن كان في الريف أو في المدينة، والفاعلين فيه من عرب وأجانب، وركّزت على أهم الأحداث والأسباب التي قادت إلى تلك الثورة. وعكس ما قد يتصوّره البعض نظرًا لاستقطاب فلسطين انتباه العالم أخيراً، تقول المخرجة في مقابلة معها إنّ اهتمامها بصناعة هذا الفيلم لم يبدأ بسبب أحداث السابع من أكتوبر وما تلاه، لا بل إنّ هذا الحدث أخّر وكاد يلغي المشروع برمته لولا إصرار المموّلين.  سردية حاولت الجمع بين مختلف طبقات المجتمع الفلسطيني لكن، وإن كان من النابي استخدام تعبير "من محاسن الصدف" في سياق كهذا، إلا أنّ تزامن بداية عرض الفيلم منذ أسبوع في أوروبا، مع استمرار ما نعيشه منذ أكثر من سنتين من إبادة إسرائيلية لغزّة، جعلتنا نشاهد فيلم آن ماري جاسر بعيون جديدة: مُجرّبة وخبيرة.  لقد أصبح تمثّل المجازر القديمة وممارسات الانتداب البريطاني التي سمعنا عنها سابقاً، هيّناً على ضوء ما رأيناه في السنتين الأخيرتين، وبالتالي أصبح تخيّل معاناة الضحايا تلقائياً. فقبل الإبادة المُتلفزة ببثٍّ مباشر، كان هناك نوع من جدار إدراكي يفصل بين من عاشوا الحدث القديم، ومن قرأوا عنه. شيء يشبه بصرياً الفارق بين الصور القديمة بالأسود والأبيض وبين الفيديو الملوّن والناطق لإبادة غزّة. هذا ما قد تكون المخرجة قد أدركته، فقامت ببناء "جسر بصري عصري" بين متفرّج اليوم وبين وثائق الأرشيف عبر تلوينها من جهة (وهذا أضفى عليها راهنية بصرية)، وتصوير مشاهد مستوحاة من صور معروفة ومُتداولة لأحداث العام 1936 من جهة أخرى، كما في تظاهرة النساء أمام مقرّ المندوب السامي، أو إطلاق إذاعة صوت فلسطين، واعتماد الملابس نفسها التي تظهر في تلك الصور التاريخية.  لقد قدّم "فلسطين 36" للمشاهد جسراً للعبور إلى تلك السنة شديدة الأهمية، وعيش ظروف ثورتها المُجهضة التي قال عنها المؤرّخ اليهودي العراقي الذي انقلب على الصهيونية فيما بعد، آفي أشلايم، إنّه لو نجحت ثورة العام 1936 لما كان هناك من وجود لإسرائيل، مُعرباً عن اعتقاده بإنّ فلسطين لم تُفقد في الأربعينيات بل في الثلاثينيات، بسبب الطريقة الوحشية التي استخدمتها بريطانيا في القضاء على المقاومة الفلسطينية. وهذا ما شاهدناه فعلاً في الفيلم؛ أساليب الإبادة نفسها، لكن بأدوات أقلّ تطوّراً وإن كانت النوايا بالشراسة والوضاعة نفسها.  عمل المستعمر البريطاني القديم على تزييف الهوية الوطنية الجامعة للثورة لقد أولت آن ماري جاسر وطاقم عملها كلّ الاهتمام لأصغر التفاصيل، وحاولت بقدر ما استطاعت تلافي الكليشيهات التي باتت القضية الفلسطينية تُذكر حصراً في داخلها، كما في إسلامية فلسطين في تجاهل يكاد يكون تاماً لدور المكوّنات الفلسطينية المسيحية أو غيرها في المقاومة الوطنية. هكذا، اختارت كادراً أصبح غير مألوف مؤخّراً في خطاب القضية مع أنّه مفتقد بشدّة، عبر اختيارها لحكاية قرية مسيحية هي قرية البسمة (في الجليل)، والتي مُحيت بعد تهجير أهلها واستيلاء المستوطنين اليهود على أراضيها بحماية البريطانيين وتواطؤهم، وأعطت أدوار بطولة لأهاليها؛ كاهن القرية وأبنائه، إضافة للنساء. هذا الكادر بثّ الحيوية في "حشرية" عين المشاهد وزاوية نظره للأحداث، إضافة لعناصر بصرية كملابس النساء أثناء القدّاس في الكنيسة الصغيرة، وخاصة طرحة الرأس البيضاء التي باتت تصوّر كما لو كانت حصراً للنساء المسلمات مع أنّ كلّ القرويات كنّ يرتدينها على اختلاف طوائفهن.  كما لمّح الفيلم في أحد المشاهد إلى إرادة المستعمر القديم في تزييف الهوية الوطنية الجامعة للثورة، عبر أمر الجنرال البريطاني عدم نشر صورة للثوار وقد رسم أحدهم فيها الصليب على بندقيته. هناك بعض الأحداث لا نستوعب كامل أبعادها إلا بعد أن نشاهدها. وبهذا تصبح فلسطين في السينما سرّاً لم يدركه إلا من رأى إضافة لكلّ هذا، سلّط الفيلم الضوء على العامل الطبقي ومصلحة الناس بالتمرّد عبر شخصيات عمال المرفأ (شخصية خالد التي لعبها صالح محمد بكري) الذين حُرموا من أجور ساعاتهم الإضافية، والذين حلّ مكانهم عمال من اليهود الوافدين، فازدادت البطالة. كما أشار الفيلم بوضوح إلى تآمر جهات فلسطينية بعضها من كوادر السلطة كرؤساء بلديات حيفا وطبريا (اختصرتهما المخرجة بشخصية أمير التي لعب دورها الممثّل التونسي ظافر زين العابدين)، واللذين أنشآ منظمات إسلامية بتمويل من المنظمة الصهيونية لتضليل الفلسطينيين. ولقد يسّرت وجوه مُمثلين عالميين مألوفة على الشاشة الفضية، مثل جيرمي آيرونز في دور المندوب السامي ووليام كونينغهام في دور مسؤول كبير، الاقتناع بشخصيتهما. ما جعل الفيلم بصرياً، متعة خالصة لكنها لا تبتلع أو تشوّش المعنى بل تسانده وتيسّر الوصول إليه. هكذا تُثبت السينما، هذا النوع من السينما تحديداً، خصوصاً بعد إبادة غزّة المُتلفزة، أنّ هناك بُعداً بصرياً هاماً في فهم ما حصل للفلسطينيين طوال ما يقرب من المائة عام، لا يدرك بكامل شحنته الحقيقية إلا بعد مشاهدة من هذا النوع. وتماماً كما أنّ بعض الأمور لا نستوعبها فعلاً إلا بعد أن ننطقها، فهناك بعض الأحداث لا نستوعب كامل أبعادها إلا بعد أن نشاهدها. وبهذا تصبح فلسطين في السينما سرًّا لم يدركه إلا من رأى.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية