عربي
لنكن واضحين منذ البداية: ما يحدث حول جزيرة غرينلاند ليس سوء تفاهم دبلوماسيًا، ولا خلافًا تقنيًا قابلًا للاحتواء. ما يجري هو عقاب سياسي مقصود تُمارسه واشنطن ضدّ حلفائها الأوروبيين لأنهم تجرّؤوا على التمسّك بموقف سيادي لا ينسجم مع الرغبة الأميركية. غرينلاند ليست القضية، بل الذريعة.
التهديد بفرض رسوم جمركية على صادرات أوروبية ليس إجراءً اقتصاديًا بقدر ما هو رسالة سياسية فجّة؛ من يخرج عن الخطّ الأميركي، يدفع الثمن. هذا السلوك لا يندرج ضمن أدوات الشراكة، بل ضمن قاموس الإكراه، وهو اتهام تتحمّل واشنطن مسؤوليته كاملة.
الولايات المتحدة، التي تقدّم نفسها بوصفها حارسة "النظام الدولي القائم على القواعد"، تقوم اليوم بنقض هذا النظام عندما تستخدم التجارة سلاحًا ضدّ الحلفاء، لا الخصوم. الأخطر هنا ليس التناقض الأخلاقي فحسب، بل التحوّل البنيوي في طريقة إدارة التحالفات: من التفاهم إلى الضغط، ومن الشراكة إلى الابتزاز المُقنّع.
التهديد بفرض رسوم جمركية على صادرات أوروبية ليس إجراءً اقتصاديًا بقدر ما هو رسالة سياسية فجّة؛ من يخرج عن الخط الأميركي، يدفع الثمن
التصريحات الأوروبية الغاضبة لم تأتِ من فراغ. فعندما يؤكّد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أنّ الترهيب لن ينجح، وحين يحذّر رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر من خطورة الرسوم على العلاقات عبر الأطلسي، فذلك لأنّ العواصم الأوروبية أدركت حقيقة مزعجة: واشنطن لم تعد ترى في أوروبا شريكًا مُتكافئًا، بل ساحة نفوذ ينبغي ضبطها.
اقتصاديًا، هذا النهج عبثي. أي تصعيد تجاري بين ضفتي الأطلسي لن يضعف أوروبا وحدها، بل سيُصيب الاقتصاد الغربي ككلّ في مقتل. سلاسل التوريد متداخلة، والاستثمارات مُتشابكة، وأيّ كسر مُتعمّد لهذا التوازن سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار، وتراجع الثقة، وتسريع انتقال بعض الصناعات إلى أسواق بديلة. لكن يبدو أنّ الإدارة الأميركية مُستعدّة لدفع هذا الثمن، طالما أنّه يحقّق هدفًا سياسيًا فوريًا.
وهنا يكمن الاتهام الجوهري: واشنطن تضحّي باستقرار حلفائها من أجل تثبيت هيمنتها، لا من أجل حماية النظام الغربي. هذا ليس سلوك قوّة واثقة، بل سلوك قوّة تخشى تآكل نفوذها، فتستبق ذلك بإجراءات قسرية.
العواصم الأوروبية أدركت حقيقة مزعجة: واشنطن لم تعد ترى في أوروبا شريكًا متكافئًا، بل ساحة نفوذ ينبغي ضبطها
في المقابل، لا يمكن إعفاء أوروبا من المسؤولية. سنوات من الاتكال الاستراتيجي، وتأجيل بناء قوّة اقتصادية سياسية مُستقلة، جعلت القارة مكشوفة أمام هذا النوع من الضغط. الولايات المتحدة لا تفرض إكراهها في فراغ؛ إنها تستغل فراغًا أوروبيًا صنعته أوروبا بنفسها.
لكن هذا لا يغيّر من حقيقة أساسية؛ تحويل الخلاف السيادي إلى عقاب تجاري خطّ أحمر. لأنّه ينسف الأساس الأخلاقي الذي يستند إليه الغرب في انتقاد سلوكيات دول أخرى. كيف يمكن لواشنطن أن تُدين الإكراه الاقتصادي حين تُمارسه بوضوح ضدّ أقرب حلفائها؟ وكيف يمكن إقناع العالم بأنّ "القواعد" تُطبَّق على الجميع، إذا كانت تُعلّق عند أوّل تعارض مع المصلحة الأميركية؟
أزمة غرينلاند تكشف أيضًا عن مفارقة لافتة: السياسة الأميركية، من حيث لا تُريد، تدفع أوروبا نحو المسار الذي كانت واشنطن نفسها تُعارضه لعقود، أي الاستقلالية الاستراتيجية الحقيقية. فكلّ تهديد تجاري، وكلّ تلويح بالعقوبات، يقنع الأوروبيين أكثر بأنّ الاعتماد على الولايات المتحدة لم يعد ضمانة، بل مخاطرة.
كلّ تهديد تجاري، وكلّ تلويح بالعقوبات، يقنع الأوروبيين أكثر بأنّ الاعتماد على الولايات المتحدة لم يعد ضمانة، بل مخاطرة
لهذا، فإنّ النقاش الأوروبي حول "أدوات الردع الاقتصادي" ليس تصعيدًا، بل دفاع مُتأخّر عن الكرامة السيادية. السؤال لم يعد: هل يجب على أوروبا أن ترد؟ بل: إلى متى تقبل بأن تُدار علاقتها مع واشنطن بمنطق العصا والجزرة؟
وفي الأفق، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات لمسار هذه الأزمة وما يليها. السيناريو الأوّل هو الاحتواء المؤقّت: تتراجع واشنطن تكتيكيًا، تُجمَّد الرسوم أو تُخفَّف، وتعود العلاقات إلى ما يشبه الوضع السابق، لكن بثقة أقل وذاكرة سياسية أطول. هذا المسار لا يحلّ المشكلة، بل يؤجّلها.
السيناريو الثاني هو التصعيد المُنضبط: تدخل أوروبا مرحلة بناء ردع اقتصادي فعلي، وتُفعِّل أدواتها الدفاعية، فتتحوّل العلاقة مع واشنطن إلى شراكة متوتّرة قائمة على توازن قلق، لا على انسجام استراتيجي.
أما السيناريو الثالث، وهو الأعمق أثرًا، فيتمثّل في الانفصال البطيء: ليس قطيعة، بل إعادة تموضع تدريجية، تُنوّع فيها أوروبا شركاءها، وتُقلّص اعتمادها على الولايات المتحدة، وتتعامل معها باعتبارها قوّة كبرى صديقة، لا مرجعية نهائية.
في كلّ الأحوال، ما بعد غرينلاند لن يكون كما قبلها. والسؤال الذي سيحدّد شكل العقد القادم ليس ما إذا كانت الأزمة ستهدأ، بل من سيتعلّم منها، ومن سيكرّر الخطأ نفسه بثمن أعلى؟
أخبار ذات صلة.
أين تأكل إذا كنت ترغب في العيش لفترة أطول؟
الشرق الأوسط
منذ 15 دقيقة