إضرابٌ يُبرمج المواطن الجزائري لتقبُّل الغلاء
عربي
منذ أسبوعين
مشاركة
تأخذنا وقائعُ الأحداث الجارية في الجزائر إلى فصلٍ جديدٍ من فصول الحراك الاجتماعي، فقد انطلقت شرارةُ إضراب واسع للناقلين بمختلف فئاتهم في الثالث من يناير/ كانون الثاني الجاري، معلنة عن رفض شعبيّ لواقع اقتصادي تشنّ فيه زيادات أسعار المحروقات هجومها المفاجئ على جيوب المواطنين دون سابق إنذار. كانت تلك الزيادة المفاجئة القطرة التي أفاضت الكأس الذي امتلأ أصلاً بإجراءات قانون المرور الجديد المشدَّدة، الذي يُحمِّل السائقين أعباء وتبعاتٍ ثقيلة حتى في حوادث السير التي قد تكون عجلات مركباتهم وحدها سبباً فيها، في ظلّ ندرة خانقة لعجلات السيارات بالبلاد فرضها خنق عمليات الاستيراد سعياً للحفاظ على ما تبقّى من احتياطات العملة الصعبة، وهذه قضيةٌ أخرى تَستوجبُ مقالاً مُفصَّلاً. وهكذا، وبعد ستِّ سنواتٍ كاملةٍ، استيقظ المواطن الجزائري على إحساس مَنسيٍّ كان قد اعتاده في حقبة الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة، وتحديداً إحساس استقبال العام الجديد بزياداتٍ صارخةٍ في أسعار الوقود. شهدت محطات الوقود ارتفاعاً في الأسعار للمرّة الأولى خلال ستّ سنوات متتالية. وجاءت هذه الزيادة متفاوتة بين 3% و33%، فيما حظي الغاز المسال بقسمه الأكبر من الزيادة، وفق البيانات الصادرة عن شركة "نفطال" الحكومية المتخصِّصة في تسويق وتوزيع المنتجات البترولية، وذلك في الفاتح من يناير/ كانون الثاني الجاري. وجاء هذا القرار بعد إعلان الرئيس عبد المجيد تبون عن حزمة من الإجراءات الاجتماعية المتمثِّلة في رفع الأجور ومعاشات التقاعد ومنحة البطالة خلال العام الجديد. كما تصادفَ مع إعلانٍ واسعٍ عن توظيف هائل في قطاع التربية والتعليم، وهو القطاع الذي يتصاعد الجدل حول طبيعته غير الإنتاجية وحول الحاجة الفعلية إلى هذا الحجم الكبير من التوظيف في هذه المرحلة من الاكتفاء بعد مبادرات توظيف مكثّفة سابقة، ممّا يضفي أبعاداً جديدة على المشهد الاقتصادي الجزائري المتقلِّب. بشكل خطير وغير مسبوق، طَرَقَ إضراب قطاع النقل أبواب الحياة اليومية، حاملاً في طياته تداعيات شاملة شلَّت حركة المواطنين وعطَّلت سلاسل الإمداد. لم تكن آثار هذا التوقُّف مجرّد إزعاج عابر، بل تحوَّلت إلى أزمة متشعِّبة طالت مناحي حيوية عدّة، حيث اُجِّلت الامتحانات الجامعية واستنفدت المحلات التجارية مخزونها من السلع الأساسية، فيما ارتفعت أسعار الخضار والفواكه ارتفاعاً لافتاً. وفي خضمّ هذا الشلل، وجد المواطن العادي نفسه في مواجهة معاناة مزدوجة، فإلى جانب صعوبة التنقُّل، يضطرّ لتحمّل أعباء مالية مضاعفة عند لجوئه إلى وسائل النقل البديلة غير النظامية، والمعروفة محلياً باسم "الكلان المشتقّة من الكلمة الفرنسية Clandestin"، التي باتت مهدَّدة أيضاً بغرامات باهظة تصل إلى 300 ألف دينار جزائري ( نحو 2300 دولار). يستمرّ الجدل حول إضراب قطاع النقل ليكشف عن خيوط معقّدة تلتقي عند قضية واحدة، فبينما ينقسم المضربون بين مَن يُطالب برفع تسعيرة النقل، ومَن يُطالب بمراجعة قانون المرور الجديد، فإنّ كلا المطلبين يصبّان في النهاية في اتّجاه رفع الأسعار بشكل العام. يأتي هذا في ظلّ استمرار سياسة تقييد الاستيراد، خاصّة للعجلات وقطع الغيار، في إطار الجهود الرامية للحفاظ على ما تبقّى من احتياطي العملات الأجنبية لدى البنك المركزي الجزائري الذي يشير إلى خطر داهم، نظراً لاعتماد البلاد شبه الكلِّي على عائدات النفط بما هي مصدر وحيد للعملة الصعبة، وسط تعثُّر كل محاولات تنويع الاقتصاد. تضع هذه المعادلة الصعبة المواطن أمام واقع مرير، حيث يصبح مضطرّاً إلى دفع أضعاف القيمة الحقيقية للسلع والخدمات، ممّا يجعل دخله الشهري يتلاشى في أيام قليلة. في الواقع، لا يختلف اثنان على حتمية مراجعة سياسة دعم الطاقة في الجزائر، انسجاماً مع المنطق الاقتصادي الساعي لاستهداف الفئات المستحقّة. ففي ظلّ الآلية الحالية، يذهب الجزء الأكبر من الدعم إلى الشرائح الميسورة، على غرار ما يحدث في قطاع المياه؛ حيث تُستنزَف موارد مالية عمومية في توفير المياه بأسعار زهيدة للفنادق والمنتجعات السياحية التي تملأ مسابحها، بينما تشهد العديد من مناطق الوسط الجزائري معاناة يومية لتأمين أبسط احتياجات المواطنين من الماء الصالح للشراب. غير أنّ الإجراءات التصحيحية الأخيرة، والتي أثارت ردات فعل شعبية واسعة، تضع محدودي الدخل في مواجهة المدفع المالي، عبر تحميلهم أسعاراً مرتفعة تمحو من ذاكرتهم واقع الأسعار المدعومة السابق، وتُعيد برمجة وعيهم الاقتصادي وفق معادلة جديدة. هذه المعادلة تفرضها إكراهات مالية جسيمة، أبرزها احتياطي الصرف الأجنبي البالغ حوالي 69 مليار دولار، وعجز الموازنة الذي يقترب من 74 مليار دولار، وتراجع عائدات المحروقات إلى 31 مليار دولار في سبتمبر/ أيلول الماضي مقارنة بـ 34 مليار دولار في الفترة ذاتها من العام الماضي. إذا استمرّ منحنى الدين العامّ في تصاعدٍ حادّ، مع افتراض اتّجاه الحكومة نحو فتحٍ غير محسوبٍ لأبواب الاستيراد، سيواجه احتياطي الصرف خطر التآكل السريع، وهو ما يضع البلاد على مفترق طرقٍ حرج. وعند ذاك، يبرز صندوق النقد الدولي بوصفه الملاذ الأخير، وهو ملاذٌ ثمنه باهظ، إذ لم تنجُ من تبعات شروطه دولةٌ طرقَت بابه قط. في الواقع، بدأت ملامح خطة الإنقاذ الحالية في التشكُّل تدريجياً وفق النهج التقليدي للصندوق، القائم على سياسات التقشّف، التي تثقل كاهل المواطن دون أن توفِّر له الحماية الكافية في مواجهة موجة الغلاء العاتية. وهنا يطفو تناقض صارخ؛ حيث نجد أنّ إجراءات الحماية الاجتماعية، كمِنح البطالة، لا تُصمَّم لإدماج فئات معينة من الشباب في قطاعات حيوية تشهد طلباً متعطِّشاً، كالبناء وإدارة النظافة الحضرية والسباكة والخياطة، حيث يعاني السوق من شحٍّ في اليد العاملة وارتفاعٍ في الأسعار بسبب قلّة العرض. وفي المقابل، تبقى إغراءات المنحة المالية، التي يتقاضاها بعض الشباب من دون مقابل عمل، عاملاً يشجِّع على الاستسلام لسكون الراحة ويُعطِّل الطاقات ويُبدِّد الفرص المتاحة للنهوض بالاقتصاد الحقيقي. خلاصة القول، تقف البلاد الآن في مرحلة بالغة الدقّة، قد يتحوَّل فيها أيّ احتجاج إلى منزلق خطير تتعذَّر السيطرة على عواقبه، خاصّة في ظلّ وجود أطراف عديدة تتربَّص بالجزائر، وتنتظر أيّ فرصة لإيقاعها في مأزق. من هنا، يتوجَّب على الحكومة والشعب التحلِّي بأعلى درجات الحكمة والحذر وتجنُّب أي تصعيد قد يفتح الباب أمام تداعيات لا تُحمد عقباها.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية