مليشيا الحوثي وتجريف الهوية اليمنية.. تغيير أسماء المعالم بوابة لفرض الهيمنة الطائفية وتقويض المواطنة
حزبي
منذ ساعة
مشاركة
صحيفة الثوري – تقرير (خاص) أعادت أنباء تغيير اسم ملعب الشهيد العلفي في مدينة الحديدة إلى «الغماري» فتح ملف التدخلات الحوثية في أسماء المرافق العامة ورموز المدن اليمنية؛ وهي ممارسات تتجاوز استبدال لافتة بأخرى، وتتقاطع مع تغييرات في التعليم والإدارة والعلاقات الاجتماعية وتوزيع الموارد، بما يهدد الهوية الوطنية ويقوّض مبدأ المواطنة المتساوية. ونقلت وسائل إعلام محلية، السبت 24 أكتوبر، أخبار تغيير اسم الملعب، وما أثاره من اعتراضات على إزاحة اسم ارتبط بتاريخ المدينة وذاكرتها الرياضية. وحتى نشر تلك التقارير، لم يكن قد ظهر توضيح رسمي يشرح أسباب التغيير، وتستند المعلومات المتاحة بشأن الواقعة إلى التغطيات المحلية. صورة متداولة لملعب الشهيد العلفي وتغيير اسمه إلى الغماري وللواقعة سوابق في المدينة نفسها. ففي الثاني من أغسطس 2018، نشر موقع «المشاهد» خبر تغيير اسم مستشفى العلفي إلى «مستشفى الساحل الغربي الطبي التعليمي». أما مستشفى السلخانة، فقد ظهر باسمه الجديد «21 سبتمبر» في بيان لمنظمة أطباء بلا حدود، صدر في أكتوبر 2022، بشأن تسليم أنشطتها الطبية إلى السلطات الصحية المحلية. وتكشف هذه الأمثلة اتجاهين متداخلين: إزاحة أسماء مستقرة في الذاكرة المحلية، وإدخال تسميات تحيل إلى قيادات الجماعة أو مناسباتها السياسية. ويحمل اسم «21 سبتمبر» إحالة مباشرة إلى تاريخ سيطرة مليشيا الحوثي على صنعاء عام 2014، بما يحوّل مناسبة تخص الجماعة إلى عنوان لمؤسسة صحية عامة. وتكتسب هذه الممارسات خطورتها من ارتباطها بمشروع مليشيا طائفية تستقوي بوهم التفوق المذهبي والامتياز بالنسب، وتسعى إلى تحويل هذا الوهم إلى سلطة تتحكم في مؤسسات الدولة وموارد المجتمع ووعي الأجيال. وفي قراءة تجمع هذه الإجراءات، تتكامل إزاحة الرموز الوطنية من واجهات المرافق مع التدخل في التعليم وتكريس الامتيازات القائمة على النسب؛ بما يقوّض المواطنة المتساوية ويكرّس الولاء للجماعة مدخلًا للنفوذ. ويتمثل الخطر في توظيف المذهب والنسب لادعاء أحقية الحكم والثروة، وإعادة إنتاج التراتب الاجتماعي الذي ثار اليمنيون لإنهائه. وليس الاسم تفصيلًا هامشيًا في حياة المدينة؛ فالمستشفى والملعب والمدرسة والشارع عناوين تتكرر يوميًا في أحاديث السكان وخرائطهم ووثائقهم. ومن ثم، يمكن قراءة إعادة تسميتها بوصفها محاولة لجعل رواية السلطة الحاكمة جزءًا من الاستخدام اليومي للمكان، وإكساب رموزها حضورًا يتجاوز الدعاية المباشرة. وامتد الجدل إلى شوارع صنعاء، حيث نشرت وسائل إعلام في أغسطس 2024 تقارير عن إزالة لوحات تحمل اسم شارع محمد محمود الزبيري، تمهيدًا لإطلاق اسم إسماعيل هنية عليه. وتبقى هذه الواقعة، وفق التغطيات المتاحة، مثالًا على محاولات تغيير أسماء الشوارع، دون الجزم بأن الاسم البديل استقر في جميع الوثائق أو في الاستخدام الشعبي. وتزداد دلالة هذه الإجراءات حين تطال أسماء مرتبطة بالتاريخ الجمهوري؛ إذ تصبح المسألة متصلة بموقع ذلك التاريخ في المجال العام، وبالرموز التي يتعرف إليها الجيل الجديد في مدرسته وشارعه ومدينته. وفي التعليم، تتوافر وقائع أكثر تحديدًا. فقد نشر «يمن فيوتشر»، في 25 يناير 2026، معلومات مستندة إلى وثيقة قال إنه اطلع عليها، بشأن تغيير أسماء 25 مدرسة حكومية في محافظة حجة. وشملت الحالات تحويل اسم مدرسة «26 سبتمبر» الأساسية إلى «يحيى السنوار»، إلى جانب تغيير أسماء مدارس حملت دلالات وطنية وتاريخية وإسلامية، بينها «22 مايو» و«الفاروق» و«الإمام الشافعي» و«خالد بن الوليد». ويمثل تغيير اسم المدرسة جزءًا من تدخل أوسع في بيئتها. فقد تناول مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، في دراسة نشرها عام 2025، توظيف الحوثيين للمشرفين الثقافيين داخل المؤسسات التعليمية والمرافق العامة، وإدخال أفكار الجماعة في المناهج، وتوسيع حضور مناسباتها الدينية والسياسية. وعند جمع هذه الإجراءات، يظهر أثرها المحتمل في العملية التعليمية: فالطالب يتلقى الرسالة من اسم المدرسة، ومحتوى الدرس، والنشاط والاحتفال، والجهة التي تشرف عليها. وهكذا تصبح البيئة المدرسية مجالًا لتكرار خطاب الجماعة وتطبيع حضور رموزها، على حساب وظيفة التعليم في بناء المعرفة وتنمية التفكير المستقل والانتماء الوطني الجامع. ولا تتوافر بيانات شاملة تقيس استجابة الطلاب والمعلمين لهذه التدخلات، لكن تعدد أدواتها يكشف أن المسألة تتجاوز قرارًا إداريًا منفردًا إلى التأثير المتراكم في وعي الأجيال وعلاقتها بتاريخ بلدها. وتتجاوز إعادة تشكيل المؤسسات أبواب المدارس إلى بنية الإدارة المحلية. ففي دراسة عن نظام الحكم الحوثي، شرح مركز صنعاء تعدد أدوار المشرفين، من المالي والاجتماعي إلى التعليمي والفكري، وتدخلهم في تحصيل الموارد والتعامل مع مشايخ القبائل وعقال الأحياء ومراقبة المؤسسات التعليمية وتنظيم فعاليات الجماعة. وخلصت الدراسة إلى أن هذه المنظومة أسهمت في تركيز السلطة وتهميش أدوار فاعلين اجتماعيين تقليديين. وتكمن أهمية ذلك في تبدل العلاقة بين المجتمع والمؤسسة؛ إذ يبرز إلى جانب المسؤول الإداري صاحب نفوذ تنظيمي، وتصبح قدرة المدرسة أو المرفق أو الوجيه المحلي على أداء دوره خاضعة لتدخلات شبكة الإشراف. وبذلك تتصل السيطرة على الرموز بالسيطرة على القرار اليومي، ويتراجع استقلال المؤسسات لصالح سلطة الجماعة. ويظهر التدخل في البنية الاجتماعية أيضًا من خلال القيود المفروضة على النساء. فقد وثقت هيومن رايتس ووتش توسع السلطات الحوثية في اشتراط المحرم أو موافقة ولي الأمر للسفر، وما ترتب على ذلك من عرقلة فرص العمل والتعليم والوصول إلى الرعاية الصحية. ويكشف هذا المثال كيف تتحول التوجيهات الأمنية والإدارية إلى أدوات تعيد تحديد موقع النساء في الحياة العامة ومصادر دخل أسرهن. أما اقتصاديًا، فتبرز لائحة الزكاة التي أقرتها سلطات الحوثيين عام 2020 بوصفها مثالًا على إدخال التصورات العقائدية في توزيع الموارد. ووفق دراسة لمركز صنعاء، فرضت اللائحة «الخُمس» بنسبة 20 في المائة على أنشطة اقتصادية متصلة بالموارد الطبيعية، وخصصت منافع وفق تعريفات مرتبطة بالنسب إلى آل البيت. وتتعلق هذه النسبة بالأنشطة المشمولة في اللائحة، ولا تشمل دخل جميع المواطنين أو جميع الأنشطة التجارية. وتتصل خطورة هذا التوجه بإدخال النسب معيارًا للاستحقاق الاقتصادي، بما يكرس تفاوتًا يتعارض مع المواطنة المتساوية. وهنا تكتسب إعادة تشكيل المجتمع جانبًا ماديًا مباشرًا يتعلق بمن يحصل على الموارد، ومن يدير تحصيلها، ولمن تعود سلطة توزيعها. ولا تختزل هذه الإجراءات مجمل الأزمة الاقتصادية اليمنية؛ فالحرب وانقسام المؤسسات وتعطل النشاط الإنتاجي عوامل أوسع. لكنها توضح كيف يجري توظيف مؤسسات الجباية والإدارة والتعليم لترسيخ بنية حكم تمنح المليشيا أدوات تأثير تتجاوز القوة العسكرية. وفي الحديدة، يكشف استمرار تداول الأسماء القديمة حدود قدرة القرارات على إعادة تشكيل الذاكرة. فبيان أطباء بلا حدود، رغم استخدامه تسمية «21 سبتمبر»، أبقى «السلخانة» إلى جوارها للتعريف بالمستشفى. وهذه قرينة على استمرار حضور الاسم المحلي، وإن كانت لا تكفي وحدها لقياس موقف جميع السكان من التسمية الجديدة. وتشير الوقائع مجتمعة إلى مسار تتداخل فيه إعادة تسمية المكان مع توجيه التعليم، وتوسيع سلطة المشرفين، وفرض قيود اجتماعية، وإعادة ترتيب الاستحقاقات الاقتصادية. وفي قراءة هذا المسار، تصبح اللافتة إحدى أدوات مشروع أوسع يسعى إلى إخضاع المجال العام لرواية الجماعة ومصالحها وتراتبيتها. ولهذا يتجاوز الاعتراض على تغيير اسم ملعب العلفي حدود الوفاء لاسم قديم؛ فهو يتصل بحق المدينة في الاحتفاظ بتاريخها، وحق المجتمع في مؤسسات عامة تخدم أبناءه على قدم المساواة. تستطيع مليشيا الحوثي تبديل اللافتات بقرار، أما محو ذاكرة المدن وتحويل الأسماء المفروضة إلى وجدان مشترك، فلا تصنعه سلطة القرار وحدها. The post مليشيا الحوثي وتجريف الهوية اليمنية.. تغيير أسماء المعالم بوابة لفرض الهيمنة الطائفية وتقويض المواطنة first appeared on الثوري | آخر أخبار اليمن والأخبار العربية والدولية.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية