حزبي
صحيفة الثوري – (رأي)
إلهام محمد زارعي
“طابور” كلمة صغيرة، لكنها في عالم الطفل تعني الكثير. طابور الصباح حيث يقف إلى جوار أصدقائه ويردد نشيد المدرسة، وطابور الألعاب حيث ينتظر دوره بشوق، وطابور الرحلات حيث يتسابق الصغار بضحكاتهم نحو الحافلة. حتى الانتظار في حياة الطفل ينبغي أن يكون درسًا في الصبر والنظام واحترام حقوق الآخرين.
لكنني توقفت طويلًا أمام صورة طفلة يمنية في الحادية عشرة من عمرها، تقف في طابور الماء بمدينة تعز، لا تحمل حقيبتها المدرسية، بل وعاءً تنتظر أن تملأه. ولا تخشى أن يفوتها دورها في لعبة، بل تخشى الزحام والتدافع، وربما أن تعود إلى بيتها دون ماء.
تأملت الفرق بين طفلة تنتظر جرس المدرسة، وأخرى تنتظر قطرة ماء. كلتاهما تتعلمان الصبر، لكن الأولى تتعلمه استعدادًا للحياة، والثانية تتعلمه كي تستطيع أن تعيش.
وما أصعب أن يتحول حق بسيط إلى امتحان يومي للشجاعة، فالماء الذي نفتح له الصنبور دون تفكير، هناك طفلة تقف من أجله في طابور طويل، تحمل في يديها وعاءً، وفي قلبها خوفًا أكبر من عمرها.
وأتساءل: ماذا يتعلم الأطفال من هذا الطابور؟ هل يتعلم الطفل أن الماء حق للجميع، أم أن الحصول على الحق يحتاج إلى قوة؟ وهل سيتذكر يومًا وجوه من ساعدوه، أم أصوات من تدافعوا أمامه؟
إن أخطر ما تفعله الأزمات بأطفالنا ليس أنها تحرمهم من الأشياء، بل أنها قد تغيّر مفهومهم عن الحياة. حين يصبح الخبز معركة، والماء مغامرة، والمدرسة أمنية، يبدأ الطفل في الاعتقاد أن المعاناة هي النظام الطبيعي للعالم.
ولذلك فإن مسؤوليتنا لا تنتهي بإيصال الماء إلى كل بيت، بل تبدأ أيضًا من إعادة الطمأنينة إلى قلوب الاطفال وحماية حقهم في التعليم واللعب، وتعليمهم أن الانتظار لا ينبغي أن يكون خوفًا، وأن الحقوق لا تُنتزع بالتدافع، بل تُصان بالعدل والتعاون.
ولا أريد أن نتحدث عن صبر أطفال اليمن وكأنه فضيلة تكفينا عن مسؤوليتنا تجاههم. فليس من العدل أن نُعجب بقدرة الطفل على الاحتمال، ثم نتركه يواجه ما لا ينبغي لطفل أن يحتمله.
إن الطفولة ليست مرحلة ندرّب فيها الإنسان على تحمّل القسوة، بل مرحلة نعلّمه فيها أن العالم يمكن أن يكون مكانًا آمنًا وعادلًا ورحيمًا.
وأعود إلى كلمة “طابور” ، وأتمنى أن يأتي يوم تقف فيه هذه الطفلة و بقية الاطفال في طابور مدارسهم، يحملون كتبهم بدل وعاء الماء، ويخافوا أن يفوتهم موعد الرحلة، لا أن يفوتهم نصيبهم من الشرب.
فالمأساة ليست أن الطفل يقف في طابور الماء، بل أن يكبر جيل كامل وهو يتعلم كيف ينتظر أبسط حقوقه، قبل أن يتعلم كيف يحقق أحلامه.
وما أقسى أن يكون العطش في الجسد، والخوف في القلب، بينما الماء في الأصل هبة من السماء لا تعرف أسماءنا ولا اختلافاتنا.
فهل نتعلّم من الماء أن نصل إلى الجميع دون تمييز، أم نترك أطفالنا يتعلمون من طوابيره أن الحياة لا تتسع للجميع؟!
The post طفلة تخاف من طابور الماء أكثر من العطش..! first appeared on الثوري | آخر أخبار اليمن والأخبار العربية والدولية.