من «أيلول الأسود» إلى سبتمبر الذي يستعيد ضوءه
حزبي
منذ ساعة
مشاركة
المحرر السياسي:

في الخامس والعشرين من سبتمبر 2014، خرجت صحيفة «الثوري» إلى قرائها بعنوان استثنائي اختصر لحظة وطنية كاملة: «أيلول الأسود». لم يكن العنوان توصيفًا لانهيار أمني عابر، ولا استجابة انفعالية لمشهد الدخان المتصاعد فوق صنعاء؛ كان قراءة مبكرة لما مثّله انقلاب الحادي والعشرين من سبتمبر من ارتداد تاريخي على ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962، واستيلاء مسلح على مؤسسات الدولة، وإعادة فتح أبواب اليمن أمام الإمامة في نسختها الحوثية الأكثر عنفًا وتسليحًا وارتباطًا بمصالح إقليمية.

كان ذلك الأيلول أسود لأن العاصمة سقطت في قبضة مليشيا، ولأن مؤسسات الدولة أُخضعت بقوة السلاح، ولأن التسوية السياسية تم التحايل عليها و تحولت إلى غطاء لفرض أمر واقع جديد. وكان أسود، قبل ذلك كله، لأن الانقلاب استهدف جوهر الفكرة الجمهورية: حق اليمنيين في أن يكونوا مواطنين متساوين، وأن يستمد الحكم شرعيته من إرادتهم، بعيدًا عن ادعاءات الاصطفاء والحق السلالي المقدس.

واليوم، بعد اثني عشر عامًا على ذلك العنوان، وفي الذكرى الرابعة والستين لثورة السادس والعشرين من سبتمبر الخالدة، يعود السؤال من قلب المواجهات الدائرة: هل تحمل التحولات العسكرية والسياسية الراهنة مؤشرات إلى انقشاع السواد عن سبتمبر الحقيقي؟

إن ما يجري في جبهات تعز ولحج، وما شهدته المضاربة و رأس العارة و الوازعية وكهبوب وحيفان والمقاطرة ومرتفعات جبلَي قرفان ونُمان من مواجهات، إلى جانب اتساع رقعة المقاومة في الضالع ومأرب والجوف والبيضاء، يكشف أن المشروع الحوثي، مهما توسع وراكم السلاح، لا يستطيع تحويل هيمنته إلى قدر نهائي على اليمنيين.

لقد أظهرت المقاومة التي يبديها الجنود والضباط وأفراد المقاومة الشعبية والقبائل أن جذوة سبتمبر وأكتوبر ما تزال متقدة، وأن اليمن الذي أنجب ثوار السادس والعشرين من سبتمبر والرابع عشر من أكتوبر قادر على إنتاج مقاومته في كل مرحلة يحاول فيها الاستبداد والاستعمار ومشاريعهما العودة.

فمن تعز ولحج والضالع إلى مأرب والجوف والبيضاء، تتجدد المواجهة دفاعًا عن الأرض والجمهورية وحق اليمنيين في بناء دولة وطنية عادلة.

وتتزامن هذه التحولات الميدانية مع متغيرات إقليمية ودولية تحمل دلالات مهمة، في مقدمتها اتفاق مكة للدفاع المشترك وما يعكسه من اتجاه نحو بناء موقف إقليمي أكثر تماسكًا في مواجهة الاعتداءات والتهديدات العابرة للحدود، إلى جانب البيان الذي أصدرته إحدى وثمانون دولة، وأدان الاعتداءات الحوثية، وشدد على حماية حرية الملاحة وأمن الممرات البحرية.

تكشف هذه المواقف أن خطر المشروع الحوثي تجاوز حدود الأزمة اليمنية الداخلية، وأصبح تهديدًا مباشرًا لأمن المنطقة والتجارة الدولية وحرية الملاحة. كما تؤكد أن استعادة مؤسسات الدولة اليمنية غدت ضرورة إقليمية ودولية لحماية البحر الأحمر وباب المندب، ومنع تحويل اليمن وسواحله إلى منصة دائمة لابتزاز دول المنطقة وتهديد العالم.

وتمنح التحولات الميدانية والسياسية اليمنيين أسبابًا مشروعة للأمل، وتستدعي البناء عليها بوعي بموازين الحرب وتعقيداتها. وما يحدث اليوم يفتح نافذة في جدار السواد، ويضع أمام القوى الجمهورية مسؤولية تحويل الصمود العسكري واتساع المقاومة والمواقف الإقليمية والدولية إلى مسار وطني متكامل، يمنع تكرار الأخطاء التي سمحت للثورة المضادة بالعودة أكثر من مرة.

في هذه المناسبة، نستعيد قيادة الثورة وكوكبة المناضلين الذين امتلكوا شجاعة اتخاذ القرار الأصعب والأهم في تاريخ اليمن الحديث: تفجير ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962. كان قرارًا غيّر وجه اليمن وفتح أمام أبنائه بابًا للخروج من العزلة والاستبداد والتمييز، ونقلهم من موقع الرعية المحكومة بحق مزعوم في السلالة إلى أفق المواطنة والجمهورية.

لم تكن ليلة السادس والعشرين من سبتمبر مجرد تحرك عسكري ناجح، ولم تكن الثورة استبدال حاكم بحاكم أو عمامة ببذلة عسكرية. كانت قطيعة تاريخية مع نظام يقوم على احتكار السلطة والمعرفة والثروة، وعلى تقسيم المجتمع وفق مراتب مغلقة تحدد للإنسان موقعه وحقوقه منذ لحظة مولده. ولهذا وضعت الثورة في صدارة أهدافها التحرر من الاستبداد والاستعمار ومخلفاتهما، وإقامة حكم جمهوري عادل، وإزالة الفوارق والامتيازات بين الطبقات.

هذه الأهداف تكشف أن الجمهورية أوسع من شكل النظام وأعمق من اسم الدولة. فالجمهورية التي تُبقي الامتيازات القديمة، وتعيد إنتاج الاستبداد والفساد والتفاوت الاجتماعي تحت شعارات حديثة، تترك أبواب الماضي مفتوحة لعودته. والإمامة لا تعيش بالعمامة وحدها؛ تعيش في احتقار المواطنين، وفي تقديس الحاكم، وفي احتكار السلطة والثروة، وفي تحويل مؤسسات الدولة إلى ملكية خاصة، وفي إخضاع القانون لإرادة القوة.

لهذا وجد المشروع الحوثي طريقه إلى الحاضر. لم يخرج من فراغ، ولم يكن حادثًا منفصلًا عن إخفاقات النظام الجمهوري. لقد نما في المساحات التي تركها الفساد والاستبداد وضعف مؤسسات الدولة، واستفاد من انقسام القوى السياسية والعسكرية، ومن تفريغ الجمهورية من مضمونها الاجتماعي، ثم حمل معه كل عاهات الماضي وأضاف إليها أدوات الحروب الحديثة: الصواريخ والطائرات المسيّرة وأجهزة القمع العقائدي، والارتباط بمشروع إقليمي يتعامل مع اليمن بوصفه ساحة نفوذ وورقة صراع.

احتاج كثيرون إلى رؤية الوجه القبيح للإمامة بعد عودته في نسختها الحوثية كي يدركوا عظمة ما اجترحه ثوار سبتمبر وأكتوبر. احتاجوا إلى مشاهدة المدارس وهي تتحول إلى منصات للتعبئة الطائفية، ومؤسسات الدولة وهي تُدار بمنطق الجماعة، والمواطنين وهم يُصنَّفون بحسب الانتماء والولاء، كي يعرفوا أي أبواب أغلقها الثوار في ليلة السادس والعشرين من سبتمبر، وأي ليل طويل حاول انقلاب الحادي والعشرين من سبتمبر أن يعيده.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن التعايش مع مليشيا الحوثي بوصفها سلطة مفروضة بالسلاح لا يقود إلى سلام دائم، وأن تأجيل مواجهتها يسمح لها بإعادة تنظيم قواتها وتوسيع نفوذها وتعميق قبضتها على المجتمع. ومن هنا تصبح مهمة القضاء على المليشيا، عسكريًا وسياسيًا وفكريًا، ضرورة وطنية لحماية اليمن واستعادة مؤسسات دولته وإنقاذ مجتمعه من مشروع سلالي يهدد حاضره ومستقبله.

ويبدأ ذلك بتوحيد القوى الجمهورية وقياداتها العسكرية والسياسية، وتجاوز الانقسامات والمصالح الضيقة، وبناء جبهة وطنية واسعة تستوعب مختلف القوى والمناطق والمكونات المناهضة للمشروع الحوثي. فالمعارك التي تُخاض في تعز ولحج والضالع ومأرب والجوف والبيضاء حلقات في معركة وطنية واحدة، وأي انتصار فيها يحتاج إلى تنسيق سياسي وعسكري قادر على تحويل التضحيات إلى مسار واضح لاستعادة مؤسسات الدولة.

غير أن استعادة مؤسسات الدولة لا تتحقق بمجرد هزيمة الحوثي عسكريًا. فإسقاط سلطة الجماعة، على ضرورته، يحتاج إلى مشروع يضمن عدم إعادة بناء النظام بالأدوات والعلاقات التي مهدت للانقلاب. ويقتضي تحرير الأرض إعادة مؤسسات الدولة إلى الشعب، وضمان حق المواطن في راتبه وتعليمه وعلاجه ومائه وكهربائه والعدالة والعيش الكريم.

إن المعركة الحقيقية تتطلب إعادة الاعتبار للدولة الوطنية، وتوحيد مؤسساتها العسكرية والأمنية على أسس مهنية، وحماية القرار اليمني من الارتهان، وإقامة نظام سياسي ديمقراطي يضمن الشراكة والتمثيل المتكافئ، ويعالج القضية الجنوبية معالجة عادلة ومسؤولة، ويصون حقوق مختلف مناطق اليمن ومكوناته. كما تتطلب إعادة بناء الاقتصاد والخدمات، وإنصاف الفئات الفقيرة والمتضررة من الحرب، وردم الفجوة بين السلطة والمجتمع.

تمثل استعادة الجبال والطرق والمواقع الاستراتيجية خطوات مهمة في طريق استعادة مؤسسات الدولة، ويكتمل معناها ضمن مشروع سياسي واقتصادي واجتماعي يعيد الجمهورية إلى مضمونها الحقيقي، ويحمي كرامة الإنسان، ويجعل اليمن وطنًا متساويًا لجميع أبنائه. فالنصر الذي يستحق دماء المقاتلين هو الذي يحول التضحيات إلى أمن وعدالة وحقوق ومؤسسات وطنية تعمل لمصلحة الشعب.

لقد دفعت البلاد أثمانًا فادحة لأن قوى كثيرة تعاملت مع سبتمبر باعتباره مناسبة للاحتفال أكثر من كونه مهمة تاريخية متواصلة. كانت الخطب ترتفع كل عام، بينما تتراجع قيم الثورة في مؤسسات الدولة والمجتمع. وظل الهدف الأسمى، المتمثل في إقامة حكم جمهوري عادل وإزالة الفوارق والامتيازات، مؤجلًا أو منقوصًا، حتى تمكنت الثورة المضادة في 21 سبتمبر 2014 من توجيه أكثر الطعنات غدرًا إلى قلب الحاضر اليمني.

واليوم، حين يصمد المقاتلون في الجبهات وتتسع دوائر المقاومة، فإنهم يدافعون عن حق اليمنيين في ألا يعودوا رعايا، وعن حق الأجيال المقبلة في دولة لا تقيس قيمة الإنسان باسمه أو سلالته أو منطقته.

ولهؤلاء الجنود والضباط والمقاومين وأبناء القبائل، الذين يقفون في مواجهة آلة الحرب الحوثية، يقتضي الواجب الوطني أن تُقابل تضحياتهم بموقف سياسي مسؤول، وتعزيز وحدة الصف، ورعاية حقيقية لأسر الشهداء والجرحى والمقاتلين، وتحويل الالتزامات الوطنية المعلنة في هذه المناسبة إلى قرارات وسياسات مستدامة.

ثمة ضوء يتقدم اليوم من بين عتمة المشهد، وثمة مؤشرات تقول إن «أيلول الأسود» ليس نهاية التاريخ. غير أن انقشاع السواد الكامل يتوقف على قدرة الجمهوريين على فهم درس العقود الماضية: الإمامة لا تُهزم بتغيير رموزها والإبقاء على بنيتها، والجمهورية لا تنتصر بترديد اسمها مع ممارسة نقيضها.

في الذكرى الرابعة والستين لثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962، نستعيد قيادة الثورة ورفاقها من المناضلين، بوصفهم أصحاب شجاعة تاريخية ينبغي أن تلهم الحاضر. لقد اتخذوا قرار الثورة حين بدا المستحيل أقوى من الممكن، وفتحوا لليمن طريقًا نحو العصر.

أما مسؤولية هذا الجيل فهي حماية ذلك الطريق، واستكمال المعنى الذي بدأه ثوار سبتمبر وأكتوبر: الخلاص من مليشيا الحوثي ومشروعها السلالي، واستعادة مؤسسات الدولة، وبناء جمهورية عادلة تقوم على المواطنة المتساوية والسيادة الوطنية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية.

عندها فقط يمكن القول إن السواد بدأ ينقشع حقًا، وإن سبتمبر استعاد ضوءه، وإن ثورتي السادس والعشرين من سبتمبر والرابع عشر من أكتوبر الخالدتين ما تزالان قادرتين على هزيمة ليل الإمامة والاستبداد من جديد.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية