26 سبتمبر.. ما الذي لم تسقطه الثورة؟
حزبي
منذ ساعة
مشاركة

«صحيفة الثوري» – (رأي):

حمامة عثمان الصنوي

في ذكرى 26 سبتمبر، تحية إجلال وشكر وعرفان لكل من صنعوا هذه الثورة، ولكل من حملوا حلم الجمهورية ودفعوا من أجلها ثمناً من أعمارهم وحياتهم، ولكل من آمنوا بأن اليمن يستحق دولة يتساوى فيها أبناؤها، ويكون فيها الإنسان حرّاً وكريماً.

لا يمكن أن نقرأ حاضر اليمن دون أن نتوقف أمام تلك اللحظة التي غيّرت مسار التاريخ اليمني، ولا يمكن أن نتحدث عن الجمهورية دون الاعتراف بتضحيات من جعلوا قيامها ممكناً.

لكن الوفاء الحقيقي لمن صنعوا الثورة لا يكون فقط بترديد ما قالوه، ولا بإعادة سرد ما حدث في 1962 كل عام.

ربما يكون الوفاء الأعمق أن نسأل أنفسنا بصدق:

ماذا أسقطت 26 سبتمبر؟ وما الذي بقي واقفاً بعدها؟

ربما أسقطت الثورة نظاماً سياسياً، وفتحت الباب أمام فكرة الجمهورية، لكنها لم تستطع وحدها أن تسقط كل ما كان أعمق من النظام نفسه.

فبعض الأشياء لا تسقط بسقوط الحاكم.

فالثقافة التي تصنع الحاكم يمكن أن تبقى.

ثقافة ترى المسؤول مالكاً للمنصب لا خادماً للمؤسسة.

ثقافة تجعل القرب من صاحب القرار طريقاً أسرع من الكفاءة.

ثقافة تجعل الوظيفة العامة امتيازاً، وتتعامل مع المؤسسات باعتبارها امتداداً للأشخاص.

وثقافة تعيد إنتاج نفسها كل مرة، حتى عندما تتغير الأسماء والشعارات.

ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي ثورة ليس أن يعود النظام القديم كما كان، وإنما أن تعود بعض ممارساته في صورة جديدة، داخل النظام الجديد نفسه.

وهنا تصبح 26 سبتمبر أكثر من ذكرى.

تصبح سؤالاً عن الدولة التي أردناها، والدولة التي صنعناها.

هل أردنا جمهورية يكون فيها القانون فوق الجميع؟

إذن، لماذا ما زلنا نبحث أحياناً عن الأشخاص قبل القانون؟

هل أردنا دولة تقوم على الكفاءة؟

إذن، لماذا لا تزال الكفاءة وحدها عاجزة أحياناً عن فتح أبواب المسؤولية؟

هل أردنا مؤسسات تستمر بعد رحيل أصحاب المناصب؟

إذن، لماذا تموت بعض المشاريع والملفات والبرامج بمغادرة المسؤول عنها؟

وهل أردنا جمهورية يكون فيها المواطن شريكاً في الدولة؟

إذن، لماذا لا تزال المشاركة في صناعة القرار أضيق من أن تستوعب كل الكفاءات، وكل الأجيال، وكل الطاقات التي يملكها المجتمع؟

ربما تكون هذه هي المسافة التي لم ننتبه إليها بما يكفي:

انتقلنا من فكرة إسقاط النظام إلى مهمة أصعب: بناء ثقافة الدولة.

وهذه المهمة لم تنتهِ.

بل ربما هي المعركة الحقيقية التي لم نخضها بالقدر الكافي.

فالجمهورية لا تحميها الشعارات وحدها.

بل تحميها مؤسسة لا تتغير قواعدها بتغير الأشخاص.

وقانون لا يتغير بتغير موازين القوة.

وكفاءة لا تحتاج إلى واسطة كي تصل.

وقيادة تعرف أن مهمتها بناء من يأتي بعدها، لا إغلاق الطريق أمامه.

وامرأة لا ينظر إليها باعتبارها رقماً يكتمل به المشهد، وإنما باعتبارها شريكاً في صناعة القرار.

وشاب لا ينتظر عقوداً حتى تُمنح له فرصة، لأن الدولة تعرف كيف تبني صفها الثاني.

لهذا، فإن الاحتفال الحقيقي بـ26 سبتمبر قد لا يكون في تكرار ما قيل عنها، وإنما في أن نسأل أنفسنا بصدق:

هل أصبحت مبادئها جزءاً من طريقة إدارتنا للدولة؟

فالثورة التي تغيّر السلطة فقط قد تنجح في إسقاط نظام.

أما الثورة التي تغيّر طريقة التفكير في السلطة، فهي التي تبني دولة.

وربما لهذا نحن بحاجة اليوم إلى سبتمبر آخر.

ليس سبتمبر بندقية وشعارات.

بل داخل المؤسسات.

سبتمبر في التعيين.

في الإدارة.

في القانون.

في الكفاءة.

في العدالة.

في تداول المسؤولية.

في بناء الذاكرة المؤسسية.

وفي أن يصبح الإنسان اليمني مواطناً في دولة، لا مجرد فرد يبحث عن مكان له داخل شبكة من العلاقات.

نريد دولة لا تقرأ أهداف ثورة سبتمبر وأكتوبر في الاحتفالات، بل نريد دولة تنفذ تلك الأهداف على الواقع.

قد تكون 26 سبتمبر قد بدأت في 1962، لكن اكتمال معناها لا تحدده السنوات التي مرت منذ ذلك التاريخ، بل مقدار ما نستطيع اليوم أن نجعل من الجمهورية سلوكاً يومياً داخل مؤسسات الدولة.

فالثورات لا تموت عندما يتوقف الناس عن الاحتفال بها.

لكنها تموت عندما تتحول مبادئها إلى طقوس، بينما تبقى ممارسات الماضي حية في تفاصيل الحياة، وأهدافها حبراً على ورق.

ولهذا، فإن السؤال الذي يستحق أن نحمله معنا في ذكرى 26 سبتمبر ليس:

ماذا فعل آباؤنا في 1962؟

بل:

ماذا بقي علينا نحن أن نفعله حتى لا تصبح الثورة مجرد تاريخ نتذكره، بدلاً من أن تكون دولة نعيشها؟!

The post 26 سبتمبر.. ما الذي لم تسقطه الثورة؟ first appeared on الثوري | آخر أخبار اليمن والأخبار العربية والدولية.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية