التعليم قبل قيام الجمهورية.. الشامي: تطييف التعليم يخلّف كوارث عابرة للأجيال (2)
حزبي
منذ ساعة
مشاركة

في الجزء الثاني والأخير من الحوار، ينتقل الأستاذ زيد الشامي من استعادة تاريخ التعليم إلى تشريح واقعه الراهن، محذرا من مخاطر تطييف المدارس وأدلجة المناهج في مناطق سيطرة الحوثيين، وما يترتب على ذلك من آثار تمتد إلى وعي الأجيال وهويتها.

كما يتناول تداعيات انقطاع الرواتب وتراجع مكانة المعلم، ويقدم قراءة نقدية لأوضاع التعليم في مناطق الحكومة، مؤكدا أن أي نهوض حقيقي باليمن يبدأ من المدرسة، ومن تعليم يحمي الوعي ويبتعد عن الخرافة والاستبداد.

 

فإلى نص الحوار..

 

كيف تنظر إلى واقع التعليم اليوم في مناطق سيطرة الحوثيين؟

 التعليم في مناطق سيطرة الحوثيين يسير إلى الوراء، ولم يعد أولوية عند كثير من الأسر؛ فقد أصبح همّ العيش وتوفير الحد الأدنى منه الشغل الشاغل لغالبية أبناء الشعب، بمن فيهم الأطفال والنساء وكبار السن.

 أما مؤسسات التعليم فقد تحولت إلى مزارع تنبت الأحقاد والكراهية، وتعمق التخلف، وتنسف التاريخ اليمني والإسلامي، حيث يتم تغيير المناهج وصبغها بالصبغة الطائفية.

وأصبح كثيرون يعزفون عن تعليم أبنائهم؛ لأنهم يرون أن ما تقدمه المدرسة للطالب يضره أكثر مما ينفعه، في ظل خطوات حثيثة لطمس الهوية اليمنية والعربية والإسلامية، وتغيير النظام التعليمي نحو الأسوأ. وحتى أسماء المدارس المعروفة والمشهورة يتم استبدالها بأسماء رموز الجماعة، وكأن تاريخ اليمنيين لم يبدأ إلا منذ الانقلاب على الإجماع الوطني في سبتمبر/أيلول 2014.

وقد بدأت نتائج هذا التعليم الطائفي تتضح، فيما نراه من صراع داخل الأسرة الواحدة؛ فهناك ولد يقتل والده أو والدته أو أخته، ورجل يقتل زوجته وأولاده، وامرأة تقتل زوجها، وهي ظواهر لم تكن معروفة عند اليمنيين من قبل. وهذه بدايات، ونسأل الله السلامة فيما سيأتي.

وتلك، في تقديري، نتائج تعليم يقوم على فكر يعمق الكراهية في النفوس، ولا ينشر المحبة والإخاء ولا يؤمن بالتعايش والسلام، وهو ما أحدث كوارث جاءت نتيجة لهذه الأدلجة الطائفية في المناهج التعليمية ووسائل وأساليب التربية والتوجيه.

كيف أثر قطع رواتب المعلمين على العملية التعليمية؟

 قال الإمام الشافعي رحمه الله:

 إن المعلم والطبيب كلاهما

لا ينصحان إذا هما لم يكرما

 فاصبر لدائك إن أهنت طبيبه

واصبر لجهلك إن جفوت معلما

 من الطبيعي أن المعلم والطبيب لا يؤديان واجبهما كما ينبغي إذا لم يُكرما. فكيف يؤدي المعلم واجبه وهو لا يجد قوت أولاده؟ وكيف نطلب منه أن يحضر إلى المدرسة في الوقت المحدد وهو لا يجد أجرة المواصلات؟

والحقيقة المرة أن يتحول المعلم إلى شحاذ عند الطالب، مع أن المعلم هو المثال والقدوة التي ينظر إليها الطالب بالتقدير والاحترام. وكيف يتأتى ذلك بينما يظهر المعلم مسكينا فقيرا يحتاج إلى الرحمة والعطف، وينتظر من يعطيه ما يسد به الرمق؟

هل ترى أن ممارسات جماعة الحوثي في ملف التعليم تمثل محاولة مقصودة لإعادة اليمن إلى حالة التجهيل التي كانت سائدة في عهد الأئمة، ولكن بأدوات أيديولوجية حديثة؟

واضح أن الجماعة استفادت من الأساليب الحديثة في التوجيه والتأثير، ولكن بالشكل السلبي الذي يعيد الاستبداد ويكرس الطغيان، ويجعل الولاء للجماعة وفكرها وقيادتها، وليس لله أولا ثم للدين والوطن.

 ويتم تعميق هذه التربية عبر مختلف وسائل الإعلام والتوجيه، بما في ذلك ما يسمى بالدورات الثقافية، والهدف هو تنشئة الطالب على القبول بالدونية، وأن يكون تابعا وليس سيد نفسه، وألا يكون صاحب قرار، وألا يكون له الحق في الثروة والسلطة والحكم على قدم المساواة مع من يدعي الحق الإلهي واحتكار الحقيقة.

ومعلوم أن الأمة لا تنهض بمثل هذا الفكر الأحادي وهذه التربية المنغلقة، ولن تتقدم وتتطور إلا بمشاركة جميع أبنائها. وهذا يقتضي أن يعيش أبناء الشعب أحرارا، يشعرون بالعزة والكرامة، فيبدعون ويخرجون بلدهم من حالة الضعف والوهن إلى مراتب العلا والمجد.

ما خطورة تسييس التعليم على وعي الأجيال القادمة؟

إذا قُصد بالتسييس توجيه التعليم لخدمة جماعة أو فئة أو حزب معين، فهذه كارثة؛ إذ لا يمكن إلغاء التعدد والتنوع الذي يمكن أن يتحول إلى رافعة للتنافس الإيجابي، ولا ينبغي الانزواء والانطواء حول فئة تريد أن تكون صاحبة الامتياز والفضل، وأن يكون غيرها أقل منها.

وقد كان أحد أهداف ثورة 26 سبتمبر 1962 إزالة الفوارق بين الطبقات، لكن التعليم اليوم، في مناطق سيطرة الحوثيين، يعود إلى الخلف أكثر من سبعين سنة.

كيف تقيّم وضع التعليم في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية؟

في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لا يزال النظام التعليمي يعاني جوانب قصور كثيرة ويحتاج إلى تطوير مستمر. وفي ظل الحرب وعدم الاستقرار يظل التطوير محدودا، كما ينشغل الناس بالمتطلبات الضرورية للحياة.

أما الحديث عن تجويد التعليم وتحسينه وتطويره، فلا يمكن أن يتحقق إلا في وضع مستقر وآمن، مع توفير الإمكانات اللازمة، بحيث يصبح التعليم أولوية واستثمارا، وليس مجرد خدمة نقنع منها بما تيسر.

وهذا لا ينفي وجود مبدعين من أبنائنا أثبتوا قدرتهم وتفوقهم، بل حقق بعضهم براءات اختراع في كثير من دول العالم عندما توفرت لهم الفرص والإمكانات، ووجدوا الحرية والكرامة في بلاد الله الواسعة.

ما أبرز التحديات التي تواجه العملية التعليمية في مناطق الشرعية اليوم؟

التحديات كثيرة، وفي مقدمتها بقاء ملايين الأطفال خارج النظام التعليمي، وعدم مواكبة مؤسسات التعليم للنمو السكاني، وتزايد نسبة الأمية بين الكبار، إلى جانب أن مخرجات التعليم لا تلبي حاجة التنمية.

وما نزال بحاجة إلى تطوير وسائل ووسائط التعليم بما يواكب تحديات العصر، وأن نتمكن من نقل أبنائنا وبناتنا من مرحلة التلقين إلى مرحلة الإبداع.

وهذه كلها تحديات تحتاج إلى برامج، ولا يمكن معالجتها إلا في ظل الاستقرار، وليس من خلال الحروب التي ما تزال قائمة اليوم.

هل تلمس فرقا في الرؤية التعليمية بين مناطق الشرعية ومناطق الحوثيين؟

هناك فروق كثيرة؛ فمناطق الشرعية تؤمن بأن التعليم حق لكل الطلاب، وأن المواطنين سواسية، لهم الحقوق نفسها وعليهم الواجبات نفسها، وأن تكافؤ الفرص حق لجميع أبناء الشعب، على الأقل من الناحية النظرية.

بينما نلحظ في مناطق سيطرة الحوثيين تكريسا لمفاهيم عفا عليها الزمن، مثل تقسيم فئات الشعب بحيث يكون بعضهم سادة والبقية عبيدا، وأن عليهم أن يقبلوا بهذا الوضع إذا أرادوا أن يُسمح لهم بالعيش في وطنهم.

ولا نستغرب تشرد ملايين اليمنيين في مختلف أنحاء العالم بصورة لافتة خلال السنوات العشر الأخيرة، مع أن أكثر من 95% من هؤلاء المشردين والنازحين ليسوا سياسيين، ولا علاقة لهم بالحرب بين الحوثيين والشرعية.

ما المطلوب اليوم لإنقاذ التعليم في مناطق الشرعية؟

الأولوية اليوم يجب أن تكون لاستعادة الدولة ومؤسساتها، وبعد ذلك نطلب منها أن تجعل التعليم استثمارا طويل المدى، وأن توفر له الإمكانات والموازنة الكافية، وأن يحظى بالاهتمام من رأس الدولة إلى أدنى مستويات الإدارة المحلية.

وعندما نشاهد رئيس الدولة وقياداتها العليا يحضرون الفعاليات التعليمية، ويهتمون بها أكثر من اهتمامهم بالمظاهر الإعلامية والدعائية لفعاليات أقل أهمية من التعليم، حينها يمكن أن نطمئن إلى أننا نسير في الطريق الصحيح.

هل تعتقد أن اليمن قادر على النهوض من جديد عبر التعليم كما حدث بعد كثير من الثورات؟

 بالتأكيد يمكن أن يحدث ذلك؛ فلن تنهض اليمن من جديد إلا عبر التعليم، وليس بالجهل والخرافة وإعادة الاستبداد.

ما الدرس الأهم الذي تعلمته شخصيًا من رحلتك في التعليم؟

التعليم رحلة ضرورية لكل فرد في المجتمع، وهو عملية مستمرة حتى نهاية العمر، والطريق الصحيح لكي نبني بلادنا ونخرجها من وهدة الضعف والتخلف والصراع.

فالتعليم يزرع القيم ويرعاها، ويولد الكفاءات، وينقل الأفراد من قاع المجتمع إلى أعلاه، والاهتمام بتربية وتعليم فرد واحد ربما يجعله ثروة تنهض بالمجتمع وتحقق للشعب مكاسب مادية هائلة.

ما رأيك في التعليم عن بُعد الذي أصبح متاحا اليوم؟

التعليم أخذ وعطاء، وتفاعل بين الطالب والمعلم، وتعاون مع الزملاء، والأصل أن يكون بالحضور المباشر حتى يتعلم الطالب الحياة الجماعية، ولا يعيش أنانيا أو منطويا على نفسه.

لكن الظروف اليوم تغيرت، وكثير من الطلاب يعجزون عن الالتحاق بالمدارس، وقد يعيش بعضهم في مجتمعات أجنبية تفرض على المتعلمين مناهج وسلوكيات منحرفة، وفي مناطق سيطرة الحوثيين يفرضون رؤيتهم الأحادية التي تعمق الأحقاد والكراهية وتنسف التاريخ اليمني والإسلامي.

وهنا يصبح التعليم عن بُعد وسيلة آمنة متاحة تحفظ لأجيالنا استقامتهم وهويتهم، وتمكن الطالب من أن يتعلم ما يعود بالفائدة عليه وعلى مجتمعه وشعبه وأمته.

لو أردت توجيه رسالة إلى اليمنيين اليوم، ماذا تقول لهم عن التعليم؟

أدعو جميع اليمنيين إلى الحرص على تعليم أبنائهم، والاهتمام برعايتهم ومعرفة ماذا يتعلمون، خاصة في المناطق التي تخضع لسيطرة الحوثيين.

فالأولاد أمانة في أعناق آبائهم وأمهاتهم، ولا بد أن يحرصوا على تصحيح المفاهيم الخاطئة التي يتلقونها، بحيث تكون محصلة التعليم ومخرجاته إنسانا صالحا يحب الخير لكل الناس، ويسعى إلى إسعاد نفسه وأهله ومجتمعه، ويتعايش ويتعاون معهم على الخير والنهوض بأوطانهم وأمتهم.

وأسأل الله سبحانه وتعالى أن ينهي المحنة التي تمر بها اليمن، وأن يعود إليها الأمن والاستقرار، ويعود أبناؤنا إلى مدارسهم وجامعاتهم في حب وإخاء وتعاون ووئام، ينهلون من جداول المعرفة، ويتنافسون في العلم والإبداع، ويغذّون السير نحو العلا والمجد، ليجعلوا المستقبل مشرقا يسوده الأمن والاستقرار والازدهار.

 

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية