أهالي جنوب لبنان... عيد النزوح وخسائر الأراضي والبيوت
Arab
1 hour ago
share
بين مراكز الإيواء والغرف الضيّقة، يحاول منكوبو الحرب الإسرائيلية من أهالي جنوب لبنان التمسك بما تبقّى من ذكريات في وقت يكبر فيه خوفهم من أن يحرم أطفالهم من ذاكرة العيد المرتبطة بمناطق الجنوب والحياة فيها. تحوّل عيد الأضحى الحالي في جنوب لبنان من مناسبة للفرح إلى محطة ثقيلة تستحضر الغياب والخسارات والنزوح، وهو العيد الثاني الذي يستقبلونه خلال ثلاثة أشهر بعيداً عن قراهم ومنازلهم، فيما يقتلهم الحنين إلى تفاصيل كانت تصنع بهجة الأعياد: جمعة العائلة، ثياب الأطفال الجديدة، زيارات القبور، وغداء العيد في القرى. في مركز الإيواء بالمدينة الرياضية في بيروت، تختصر الحاجة بديعة حيدر (75 سنة)، المتحدرة من بلدة طيردبا بقضاء صور، واقع العيد وتقول لـ"العربي الجديد": "جاء العيد ولم يجدنا"، في إشارة إلى حالة النزوح الكبيرة التي شهدها الجنوب. تضيف: "كنا نشعر بسعادة كبيرة مع قدوم العيد الذي يجمع العائلة. لديّ ستة أولاد، وكانت جمعتنا وغداؤنا معاً يوم العيد بكنوز الدنيا. لم نعتد يوماً عدم شراء ثياب للأطفال، وهذا العيد الثاني الذي يمرّ من دون أن نعطيهم العيدية. كانت ذاكرتنا في العيد مرتبطة بالضيعة، وحالياً أخاف ألا يعيش أحفادي ذكريات الطفولة المرتبطة بقرى الجنوب. ما يحصل يصعب تحمّله". ولا يقتصر الحنين على كبار السن فقط، بل ينسحب أيضاً على عائلات شابة وجدت نفسها عاجزة عن تأمين أبسط تفاصيل العيد لأطفالها. ففي مجمّع العازارية في وسط بيروت والذي تحوّلت مبانيه إلى مراكز إيواء، يتقاسم النازحون الوجع نفسه، ويجلس كثيرون منهم يسرحون بأفكارهم والدموع في عيونهم. وتقول رنا سويدان (26 سنة)، التي نزحت من بلدة خربة سلم بقضاء بنت جبيل، لـ"العربي الجديد": "لدي طفلة عمرها سنتان، وهذا العيد الثاني الذي لا أستطيع فيه شراء فستان العيد لها. أسأل نفسي: ما ذنبها كي تحرم فرحة العيد وتعيش طفولة قاسية. لو كنا في الضيعة لكانت فرحت بخروجنا إلى غداء العيد، وبالعيدية، وشراء المفرقعات لها. اليوم لا نستطيع حتى التقاط صورة عائلية نتذكرها كما في الأعياد السابقة". وبين فقدان فرحة الأطفال وغياب القدرة على الحفاظ على الطقوس العائلية، يبدو العيد في لبنان بالنسبة إلى كثير من النازحين مناسبة تستعيد الأوجاع أكثر مما تستحضر الفرح. يقول علي فرحات، الذي نزح من بلدة برعشيت بقضاء بنت جبيل ويُقيم في مركز العازارية، لـ"العربي الجديد": "نعيش في وضع صعب يحرق القلب. حُرمنا من زيارة الجبانة حيث دُفن أبي وأمي، والتي اعتدنا زيارتها صباح كل عيد. نعيش غربة بأشكال عدة، ونحن مخنوقون جداً ويأتي العيد ليذكرنا بأوجاع كبيرة. لدي حفيدة عمرها أربع سنوات، لم نستطع شراء ثياب لها، ولا يمكن أن نأخذها في نزهة العيد، لأن القدرة المادية معدومة". ويقول بلال، من بلدة كوثرية السياد بقضاء صيدا، لـ"العربي الجديد": "الله يعين الذين لديهم أولاد في الحرب. هذه ليست حياة". بدورهم، يعيش الشبان والفتيات الذين ارتبطت ذاكرتهم بطقوس العيد في القرى الجنوبية شعوراً مضاعفاً بالفقد. وتتحسر يارا الجوني (18 سنة)، المتحدرة من بلدة حومين الفوقا (قضاء النبطية)، وانتقلت إلى مدرسة الحريري الثانية في منطقة البطركية في بيروت، على غياب طقوس العيد التي اعتادت عليها مع شقيقاتها، وتقول لـ"العربي الجديد": "لم نعتد ألّا نشتري ثياب العيد أو نخرج مع العائلة. للعيد طقوسه الخاصة، من زيارة قبر جدي وجدتي إلى الصبحية مع الجيران وضيافة المعمول، ثم غداء العيد الذي كان عادة في أحد مطاعم الجنوب. كانت هناك رهجة كبيرة للعيد، لكن اليوم حُرمنا من كل ذلك. وبعدما كنا نملك منزلاً كبيراً، نعيش اليوم في غرفة واحدة، وهذا أمر صعب جداً". أما بالنسبة إلى سماح والدة يارا، فلا يرتبط الألم فقط بضيق النزوح في لبنان وفقدان فرحة العيد، بل أيضاً بالإحساس بالاقتلاع من قريتها وأرضها، وتقول لـ"العربي الجديد": "أي عيد ونحن محتلون؟ أكثر ما يؤلمني هو عدم قدرتي على زيارة قبر والدي صباح العيد، وهذه غربة قاسية". لا ترتبط معاناة الأهالي فقط بفقدان المنازل، بل أيضاً بانهيار تفاصيل الحياة اليومية التي كانت تمنح العيد معناه. ويقول يوسف درويش (30 سنة)، من بلدة المجادل بقضاء صور، لـ"العربي الجديد": "العيد فرحة، لكن اليوم منزلنا الذي كنا نجتمع فيه دُمّر، فلم تعد هناك جمعة، ولا يمكنني زيارة قبر والدي. جاءت سيدة أمس ووزعت ثياباً في المركز، وتألمت لرؤية الأولاد يتدافعون من أجل الحصول على ثياب جديدة. لا يمكن تخيّل العيد من دون ثياب للأطفال. لم يستطع أولاد أختي شراء ثياب جديدة أو حتى التفكير بالخروج إلى مطعم. نشعر بأننا نعيش في حلم لا عودة منه إلى يومياتنا في الجنوب".  ويبلغ الإنهاك النفسي لدى بعض النازحين حدّ شعورهم بأن مظاهر الحياة نفسها باتت بعيدة عنهم. وتغصّ فرح فقيه، من بلدة رب الثلاثين بقضاء مرجعيون، عند سؤالها عن أجواء العيد، وتقول لـ"العربي الجديد": "منذ ثلاث سنوات لم نعد نشعر بعيد، أو فرح أو عزاء أو حتى بحياة. نعيش كجثث تمشي على أرجلها. بيوتنا وحالتنا النفسية دُمّرت". لدى فرح أربعة أطفال لم تستطع تأمين ثياب العيد لهم، وهم يسألونها باستمرار عن العيد والذهاب إلى الملاهي، لكنها لا تملك إجابة ولا القدرة على تأمين أبسط الأمور لأطفالها.  ورغم المشهد المثقل بالخسارات والحنين، يحاول بعض الأهالي التمسّك بما تبقّى من مظاهر الفرح، ولو بالحدّ الأدنى، خصوصاً من أجل أطفالهم. وفي مقابل العائلات التي عجزت عن تأمين أبسط تفاصيل العيد، تصرّ بعض الأمهات على منح أطفالهن فرصة اختبار هذه المناسبة، ولو وسط النزوح والقلق الأمني. وتتحدث زينب دولاني، من بلدة ميس الجبل الحدودية (قضاء مرجعيون)، لـ"العربي الجديد"، عن أنه كان يفترض أن تعيش للمرة الأولى فرحة عيد الفطر مع ابنها، بالتزامن مع عيد الأم، لكنها لم تستطع ذلك، وتقول: "لن أترك هذا العيد يمرّ من دون أن أعيش تفاصيله. جهّزت ثياب العيد لطفلي، وسأخصص يوماً له مع عائلتي، ونتوجه إلى أماكن لعب أو تنزّه كي يختلط بأطفال من عمره ويختبر شعور العيد". وتختم دولاني: "صحيح أن الوضع الأمني متوتر، لكن يجب أن نخفف ذلك عن أطفالنا، ونؤمّن لهم حياة مستقرة". ومع تواصل النزوح وتراكم الخسارات، لم يعد وجع الأهالي يرتبط فقط بفقدان المنازل أو غياب طقوس العيد، بل أيضاً بشعور ثقيل بالاقتلاع وفقدان معنى المناسبة. وتقول ندى شقير لـ"العربي الجديد": "العيد بيت وأرض، وهو العائلة وراحة البال، وإذا نظرنا حولنا اليوم لا نجد شيئاً من هذه العوامل، لذا لم يعد العيد سوى ألم مستمر ومضاعف". تضيف: "كوني من بلدة حدودية، لم نعد نستطيع حتى زيارة قبور أحبّتنا لأنها جُرفت، وكوني نازحة من الضاحية الجنوبية، لن يكون مكان النزوح مكاناً أجد فيه راحة بالي، وطالما تستمر المذبحة سيبقى لدي شعور بالذنب إذا احتفلت، حتى لو كنت في أمان جزئي". وتشير شقير إلى التناقض القاسي الذي يرافق هذه الفترة، مع تزامن عطلة العيد مع عيد المقاومة والتحرير، يوم حررّ الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي عام 2000، وتقول: "بقدر ما يحمل هذا التزامن من معانٍ مفرحة، فهو أيضاً موجع جداً. المقتلة المفتوحة في الجنوب تُبعدنا بالكامل عن فكرة العيد لدرجة أننا بتنا نخاف أن يقول بعضنا لبعض: ينعاد عليكم... فأي عيد سيُعاد علينا؟".  ولا يرتبط وجع العيد لدى كثير من النازحين بالابتعاد عن قراهم فقط، بل أيضاً بخسارة البيوت والتفاصيل والذكريات التي كانت تمنح العيد معناه. وتقول مروة سلمان، من بلدة السلطانية بقضاء بنت جبيل، لـ"العربي الجديد": "مرّ عيد الفطر بعد أسبوعين من اندلاع الحرب، ولم نفكر حينها سوى بالنجاة، وقلت إننا سنعوّض في العيد المقبل، أي عيد الأضحى، لكننا وجدنا أنفسنا بلا بيوت ولا ذكريات. دُمّر منزلي في السلطانية، وكذلك منزل العائلة الذي كانت تحيط به حديقة كبيرة. وكان طفلي معتاداً ارتداء ثياب العيد والتوجه إلى منزل العائلة، أي منزل جده، للاحتفال وتمضية الوقت في الحديقة. اليوم لا نتحدث فقط عن البعد عن الجنوب، بل عن تدمير ذكرياتنا". تتابع: "بالنسبة إلى أهل الجنوب، العيد هو الجنوب، ولا يستطيعون أن يشعروا بأجواء العيد. بات العيد يذكرنا بمأساتنا ووجعنا بسبب البعد عن قرانا". وتشير سلمان إلى أنها تجد صعوبة حتى في شراء ملابس العيد، وستكتفي فقط باصطحاب طفلها إلى مكان للعب، كي يمضي بعض الوقت ويشعر بشيء من بهجة العيد. ورغم سريان هدنة منذ 17 إبريل/ نيسان الماضي، تكرّرت حكاية التهجير بوجع مضاعف لمنكوبي الجنوب، بعد أوامر الإخلاء الإسرائيلية المتتالية التي لم تفارق يومياتهم. وتتفاقم المأساة بين المجازفة بالبقاء في قرى مهدَّدة ومراكز إيواء مكتظّة، حيث تتكرّر حكاية التهجير بوجع مضاعف، وتغدو العودة نفسها محفوفة بالخوف وعدم اليقين. وكان المدير الإقليمي لهيئة الأمم المتحدة للدول العربية معز دريد قد حذّر من أنّه "في ظلّ استمرار الغارات الجوية الإسرائيلية، وإصدار أوامر الإخلاء، وفرض حظر العودة إلى عدد من المناطق، وتقييد حرية التنقّل، يجد غالبية السكان أنفسهم عاجزين عن العودة إلى منازلهم، وأكثر من نصف مليون امرأة وفتاة في لبنان ما زلنَ يرزحنَ تحت وطأة النزوح". وفي 27 مايو/أيار الجاري، أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأنّ نحو مليون شخص ما زالوا نازحين داخل لبنان.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows