سفيرة كوبا في الدنمارك لـ"العربي الجديد": نتعرض لإبادة أميركية صامتة
Arab
1 hour ago
share
تعيش كوبا، وفق وصف سفيرتها فوق العادة والمفوضة لدى الدنمارك آنا ماريا تشونغو، مرحلة تعتبرها الأخطر في تاريخها المعاصر، في ظل حصار أميركي متصاعد تقول إنه تجاوز كونه أداة ضغط سياسي ليصبح نظام خنق شامل يطاول الغذاء والدواء والطاقة، ويقيد بشكل مباشر القدرة على استمرار الحياة اليومية. وتؤكد السفيرة، في حديثها لـ"العربي الجديد"، أن ما تواجهه كوبا لا يمكن فصله عن السياسات الأميركية تجاه خصومها، معتبرة أنها تتعرض لـ"إبادة صامتة تنفذ بلا قنابل ولا صواريخ، كما في حرب الإبادة على قطاع غزة المحاصر، لكنها تحدث الأثر ذاته عبر الحصار ومنع الوقود والدواء والإمدادات الأساسية". وتضيف أن المقارنة مع ما يجري في غزة ليست مجازاً خطابياً، بل توصيف لـ"العنف غير المرئي" الذي يستهدف البنية الاجتماعية للدولة، قائلة إن "الاختلاف الوحيد هو غياب صوت الانفجارات، أما النتائج على حياة الناس فهي كارثية بالقدر نفسه". انهيار متدرج في المنظومة الصحية في قلب الأزمة، تضع السفيرة القطاع الصحي، الذي تصفه بأنه الأكثر تدهوراً منذ عقود. وتشير إلى أن الحصار انعكس مباشرة على مؤشرات أساسية للحياة، حيث تضاعف معدل وفيات الأطفال ليصل إلى 9.9 حالات لكل ألف مولود حي بحلول نهاية عام 2025. كما تؤكد أن نسبة نجاة الأطفال المصابين بالسرطان تراجعت من 85% إلى 65%، وهو ما تعتبره دليلاً على "انهيار تدريجي في قدرة النظام الصحي على توفير العلاج الأساسي". وتضيف أن نحو 100 ألف مريض، بينهم 12 ألف طفل، ما زالوا ينتظرون عمليات جراحية مؤجلة بسبب نقص المعدات الطبية وانقطاع الطاقة. وتصف السفيرة مشاهد العمل داخل المستشفيات بأنها تعكس "حجم الضغط غير المسبوق"، إذ تجرى بعض العمليات في ظروف بدائية تعتمد على إضاءة محدودة أو مصادر طاقة غير مستقرة نتيجة نقص الوقود. وتشير إلى مبادرات تضامنية، بينها جهود من متضامنين في الدنمارك أرسلوا ألواحاً شمسية، لكنها تؤكد أن غياب البطاريات وأنظمة التشغيل يحدّ من فعاليتها. أزمة طاقة تتحول إلى شلل اقتصادي وترتبط الأزمة الكوبية، بحسب السفيرة، بتصاعد الإجراءات القسرية الأميركية التي تجاوزت 243 إجراء منذ عام 2019، واستهدفت بشكل خاص قطاع الطاقة وسلاسل الإمداد، ما أدى إلى تقييد القدرة على استيراد الوقود والمواد الأساسية وإرباك الدورة الاقتصادية. وتوضح أن ما تصفه واشنطن بـ"العقوبات" تحول عملياً إلى "حصار اقتصادي شامل"، انعكس في انقطاعات متكررة للكهرباء، وصعوبات في تشغيل محطات المياه، وأزمات في توزيع الغذاء والغاز. وتضيف أن استهداف الطاقة خلق "حلقة اختناق اقتصادي" عطلت المستشفيات والمدارس والنقل والإنتاج في آن واحد. وتقول إن "استهداف الوقود يعني استهداف كل تفاصيل الحياة، من المستشفيات إلى المدارس إلى حركة الناس نفسها". وتشير إلى أن الحصار استهدف أيضا قطاع الطاقة وسلاسل الإمداد، ما أدى إلى تراجع حاد في القدرة على استيراد الوقود والمواد الأساسية. عقاب جماعي ومحاولة لإعادة تشكيل الداخل وترى السفيرة أن ما يجري يتجاوز مفهوم العقوبات التقليدية، ليصل إلى "عقاب جماعي ممنهج" يطاول المدنيين ويهدف إلى خلق ضغط داخلي من أجل تغيير سياسي. وتصف السياسات الأميركية بأنها "شكل من أشكال الإبادة الجماعية الصامتة"، لأنها تعتمد على "إحداث ندرة مصطنعة تنهك المجتمع وتضعف قدرته على الصمود، ولتأليب الناس على حكومتهم في سياق أوهام ما يسمى تغيير النظام التي ينتهجها ترامب في أكثر من مكان حول العالم". وتشدد على أن المراهنة على تكرار نموذج فنزويلا "وهم كبير لن يجد من يقبله في كوبا". وترتبط هذه الأزمة بقرار إعادة إدراج كوبا على قائمة "الدول الراعية للإرهاب"، وهو تصنيف تؤكد واشنطن تثبيته مجدداً في عام 2025. وتعتبره السفيرة "قراراً سياسياً بحتاً" يهدف إلى عزل كوبا مالياً وقطع قنواتها مع النظام المالي الدولي، رغم أنه "يمس حياة المواطنين مباشرة، ولا علاقة له بالأمن الدولي أو بترويج أن كوبا تمثل تهديداً أمنياً للولايات المتحدة". وتتهم السفيرة إدارة دونالد ترامب بأنها أجهضت التفاهمات والانفراجات التي تحققت في عهد باراك أوباما، وأعادت فرض مسار تصعيدي قائم على تشديد الحصار وتوسيع العقوبات بدلاً من الانفتاح أو الحوار. ذاكرة العنف: من 1976 إلى الحاضر وفي سياق الدفاع عن الموقف الكوبي، تستحضر السفيرة تفجير طائرة "كوبانا" عام 1976، الذي أودى بحياة 73 شخصاً، بينهم رياضيون شبان، واصفة إياه بأنه أحد أكثر أعمال الإرهاب الجوي دموية في نصف الكرة الغربي. وتقول إن هذه الحادثة جزء من "ذاكرة طويلة من العنف غير المعترف به ضد كوبا"، معتبرة أن الخطاب الأميركي يتجاهل هذا التاريخ ويركّز على اتهامات سياسية ضد شخصيات كوبية، بشأن حادثة إسقاط طائرات من قبل الدفاعات الجوية الكوبية في أوساط تسعينيات القرن الماضي، وكان على متنها ثلاثة أميركيين وكوبي منشق. كما ترفض اتهامات تطاول الرئيس السابق راؤول كاسترو، وتعتبرها "جزءاً من حملة سياسية لتشويه الرموز واستمرار الضغط الأقصى". وشددت السفيرة على أن هافانا لها الحق في الدفاع عن أرضها وسيادتها بوجه محاولات تهريب متفجرات وأسلحة من أميركا لزعزعة مجتمعها. اقتصاد مكبل رغم الإمكانات ورغم حدة الأزمة، تؤكد السفيرة أن كوبا لا تزال تمتلك مقومات اقتصادية مهمة، إذ تنتج نحو نصف احتياجاتها من النفط، وتملك احتياطيات من النيكل والكوبالت، إضافة إلى قدرات في الصناعات الدوائية والتكنولوجيا الحيوية، وأراضٍ زراعية ومصادر مياه. لكنها تشدد على أن هذه الإمكانات "مكبّلة بالكامل" بفعل القيود المالية واللوجستية والتكنولوجية، ما يمنع تحويل الموارد إلى قدرة إنتاجية فعلية أو تحديث البنية الاقتصادية. وتضيف أن الحكومة تعمل على استراتيجية داخلية تقوم على ثلاثة محاور: التوسع في الطاقة الشمسية، وتعزيز الإنتاج الغذائي المحلي، وإصلاح النظام المالي والمصرفي، بهدف تقليل الاعتماد على الخارج في ظل استمرار القيود. وفي ما يتعلق بإعلان الولايات المتحدة تقديم مساعدات بقيمة 100 مليون دولار، تقول السفيرة إن هافانا لم تتلقَّ أي تفاصيل رسمية حول آليات التنفيذ، معتبرة أن المفارقة أن "خسائر خمسة أيام فقط من القيود الاقتصادية تعادل هذا الرقم تقريباً". وتؤكد أن كوبا لا ترفض المساعدات من حيث المبدأ، لكنها ترى أن "أبسط الخطوات التي يمكن أن تقدمها الولايات المتحدة وأهمها هي رفع الحصار الاقتصادي والمالي وقيود الطاقة"، بدلاً من الإبقاء على سياسة العقوبات. كما ترفض تسييس المساعدات التي تقوم بها جهات كاثوليكية في أميركا، بعيداً عن الحكومة الكوبية ولأغراض أخرى "غير بريئة". صمود في مواجهة الحصار وتختم السفيرة بالتأكيد على أن كوبا، رغم الضغوط غير المسبوقة، "لن تستسلم"، مشيرة إلى أن قدرة المجتمع الكوبي على التكيف تعكس "إرادة سياسية وشعبية للصمود". وتدعو إلى كسر الصمت الدولي حول ما يجري ونقل الصورة بعيداً عن الروايات السياسية، مضيفة: "كوبا تقاوم… قد يكون الحصار خانقاً، لكنه لن يكسر إرادة شعب صامد".

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows