Arab
لا تقتصر تداعيات الحرب التي تطاول قطاع غزة، على القصف والدمار البشري والعمراني فحسب، وإنما امتدت لتصبح حرباً اقتصادية ممنهجة استهدفت مصادر رزق السكان وقدرتهم على البقاء.
وقد استخدم الاحتلال الإسرائيلي خلال أشهر الحرب وما تلاها، سلسلة من الأدوات والإجراءات التي دفعت المجتمع الغزي نحو الفقر الجماعي والانهيار المالي، عبر إغلاق المعابر ومنع دخول البضائع والمواد الخام والمساعدات لفترات طويلة، إلى جانب تدمير الأسواق والمنشآت الاقتصادية، مما أدى إلى شللٍ شبه كامل في الحياة الاقتصادية. وخلال فترات المجاعة التي عاشها الغزيون، شهدت الأسواق ارتفاعات جنونية في الأسعار تجاوزت في بعض السلع الأساسية نسبة %3000، نتيجة انعدام البضائع واحتكار ما تبقى منها داخل الأسواق.
كما تسببت أزمة السيولة النقدية وعمليات التكييش في استنزاف مدخرات آلاف العائلات، بعدما اضطر المواطنون لدفع عمولات مرتفعة للحصول على أموالهم النقدية من البنوك أو التطبيقات المالية، فقط لشراء الطعام والاحتياجات الأساسية.
تدمير منظم
يقول تاجر المواد الغذائية في شمال غزة، أنور عوض، إنه أعلن إفلاسه خلال فترة الحرب رغم أن رأس ماله قبل الحرب كان يتجاوز 3 ملايين ونصف المليون شيكل، موضحاً أن أولى الضربات الاقتصادية التي تعرض لها كانت في الأيام الأولى للحرب، عندما قصفت طائرات الاحتلال "البركس" (المستودع) الذي كان يحتوي على كميات كبيرة من المواد الغذائية شمال القطاع.
ويشير عوض لـ"العربي الجديد"، إلى أن تدمير "البركس" جاء ضمن سياسة التجويع التي بدأت مبكراً في شمال غزة، قبل أن تمتد الخسائر لاحقاً إلى سوق مخيم جباليا بالكامل، حيث كان يمتلك محلين لبيع المواد الغذائية، لافتاً إلى أن السوق تعرض لدمار شامل أدى إلى القضاء على النشاط التجاري بالكامل ثم انتهت خسائره بتدمير منزله في منطقة تل الزعتر، ليجد نفسه فجأة بلا تجارة ولا منزل ولا مصدر دخل.
ويضيف: "كان لدي مبلغ جيد من المال داخل أحد البنوك، لكن خلال فترات المجاعة استُنزف بالكامل بسبب شراء الطحين والمواد الغذائية بأسعار خيالية، إضافة إلى عمليات التكييش التي كان التجار والسماسرة يقتطعون خلالها نصف المبلغ تقريباً مقابل الحصول على الكاش".
ويؤكد أن الناس كانت مضطرة لدفع أي مبلغ مقابل الطعام لأن البديل كان الجوع، مشيراً إلى أن ما حدث لم يكن أزمة اقتصادية عادية، بل عملية إفقار وتجويع ممنهجة دفعت المواطنين إلى استنزاف كل ما يملكونه. ورغم مرور أكثر من سبعة أشهر على وقف إطلاق النار، فإن مظاهر الحصار والتضييق الاقتصادي لا تزال قائمة وسط استمرار إغلاق المعابر باستثناء بعض الشاحنات الغذائية، وغياب أي تحرك حقيقي لإعادة الإعمار أو إنعاش الاقتصاد، مما أبقى الأسواق في حالة ركود خانق وترك غالبية السكان غارقين في البطالة والفقر وانعدام الأمن الغذائي.
الإفقار الاقتصادي
من جهته، يقول المختص بالشأن الاقتصادي سمير أبو مدللة إن إسرائيل اتخذت خلال حرب الإبادة على قطاع غزة جملة واسعة من الإجراءات الاقتصادية الهادفة إلى إسقاط السكان اقتصادياً وإفقارهم بشكل كامل، مؤكداً أن ما جرى لم يكن عشوائياً وإنما سياسة ممنهجة استهدفت البنية الاقتصادية والقدرة المعيشية للمواطنين.
ويوضح أبو مدللة لـ"العربي الجديد" أن عمليات الإغلاق الكامل للمعابر ومنع إدخال البضائع والمساعدات الإنسانية أدت إلى خلق أزمات معيشية خانقة داخل القطاع، ترافقت مع ارتفاعات غير مسبوقة في الأسعار، إلى جانب أزمة السيولة النقدية التي دفعت المواطنين إلى خسارة جزء كبير من أموالهم عبر عمليات التكييش للحصول على الكاش من أجل شراء الطعام والاحتياجات الأساسية.
ويضيف: "لك أن تتخيل أن سعر كيلو الطحين كان في الوضع الطبيعي ثلاثة شواكل فقط (الدولار = 2.85 شيكل)، لكنه خلال ذروة المجاعة في شمال غزة تجاوز 200 شيكل، وفي موجة المجاعة الثانية وصل إلى نحو 140 شيكلاً، كذلك السكر الذي كان سعره لا يتجاوز ثلاثة شواكل، وصل في بعض الفترات إلى أكثر من 500 شيكل للكيلو الواحد".
ويؤكد أن هذه الأسعار استنزفت جيوب الغزيين بشكل هائل، لأن المواطن في النهاية كان مضطراً للشراء مهما بلغت الأسعار من أجل البقاء على قيد الحياة.
وخلال الحرب، تحولت الأسواق في غزة إلى نموذج لانهيار العرض والطلب بفعل الحصار الكامل، فمع ندرة البضائع الأساسية ومنع دخول المواد الغذائية والوقود لفترات طويلة ظهرت موجات تضخم غير مسبوقة وارتفعت أسعار السلع الأساسية بشكل هائل، بينما اختفت سلع كثيرة من الأسواق بالكامل، مما دفع السكان إلى شراء أي مواد غذائية مهما كان سعرها.
كما ساهمت أزمة السيولة النقدية في تعميق الانهيار الاقتصادي بعدما فقد المواطنون القدرة على الوصول إلى أموالهم داخل البنوك، في ظل شح الأوراق النقدية وغياب النظام المصرفي، ونتيجة لذلك، انتشرت عمليات التكييش التي فرضت عمولات مرتفعة وصلت أحياناً إلى أكثر من %50 للحصول على الأموال نقداً، مما تسبب في تبخر مدخرات آلاف الأسر خلال أشهر قليلة.
في المقابل، يذكر المختص بالشأن الاقتصادي عماد لبد أن إسرائيل عملت بشكل مباشر على إفقار سكان قطاع غزة عبر دفعهم القسري نحو البطالة الجماعية، موضحاً أن نسبة البطالة قبل الحرب كانت تدور حول %44، بينما تجاوزت حالياً حاجز %80 نتيجة التدمير الكامل للقطاعات الاقتصادية والإنتاجية.
ويقول لبد لـ"العربي الجديد" إن الاحتلال لم يكتفِ بتدمير المصانع والمنشآت التجارية والأسواق وإنما منع أيضاً إدخال المواد الخام والبضائع، مما أدى إلى شلل كامل في فرص العمل، حتى بالنسبة للأشخاص الذين فقدوا أعمالهم وحاولوا البحث عن مصادر دخل بديلة". ويشير إلى أن مئات آلاف العمال والموظفين والتجار أصبحوا بلا أي قدرة على توفير المال أو إعالة أسرهم، مؤكداً أن الإجراءات الاقتصادية الإسرائيلية لا تزال مستمرة حتى اللحظة رغم مرور أكثر من سبعة أشهر على وقف إطلاق النار، في ظل حالة من الجمود الاقتصادي والسياسي التي تحول دون إعادة تشغيل الأسواق وإنعاش سوق العمل.
وفي ظل استمرار القيود الإسرائيلية على المعابر وحركة البضائع، تزداد التحذيرات من أن قطاع غزة يواجه خطر الانهيار الاقتصادي الكامل طويل الأمد، خاصة مع استمرار معدلات البطالة والفقر المرتفعة وتعطل عمليات الإعمار وتآكل القدرة الشرائية للسكان.

Related News
3 شهداء وجرحى في قصف إسرائيلي غرب خانيونس
alaraby ALjadeed
23 minutes ago
ولي العهد السعودي: جهود الدفاع تجلّت في أزمة المنطقة
aawsat
29 minutes ago
تفاهم واشنطن وطهران يقترب على وقع مناوشات «هرمز»
aawsat
38 minutes ago
اليمن يودع الرئيس السابق هادي
aawsat
52 minutes ago