Arab
يكتسي عيد الأضحى مكانةً كبيرةً في الوجدان المغربي؛ حيث تتحول الحواضر والقرى إلى خلايا نحل نابضة بالحياة، للاستعداد للعيد الكبير، وإحياء عادات وطقوس متجذرة تُصرّ على الصمود وتقاوم الاندثار.
استقبلت البيوت المغربية عيد الأضحى باستعدادات كثيفة تعالت فيها أصوات الأضاحي، وتسابقت الخطى نحو الأسواق لتأمين مستلزمات هذه الشعيرة الدينية. ورغم التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها البلاد وموجة الغلاء، يبقى لـ"العيد الكبير" سحره الخاص، وسط إصرار المغاربة على التمسك بالفرح وصلة الرحم وإحياء عادات توارثوها أباً عن جد.
تبدأ الاستعدادات للعيد قبل أسابيع من حلوله، حيث تتحول الأسواق الشعبية وفضاءات بيع الأضاحي إلى خلايا نحل لا تهدأ؛ إذ تنشط الحركة بشكل لافت، ويسارع الجميع أولاً لتأمين الأضحية أو "الحولي" كما يُطلق عليه محلياً. وما إن يُحسم الأمر، حتى تنطلق رحلة التسوق لتأمين بقية المستلزمات؛ فتغصّ محال العطارة بالباحثين عن التوابل وبهارات الشواء، وتنتعش تجارة الأواني، وترتفع تلال الفحم وأكياس البصل في كل زاوية. هذا الصخب الخارجي يوازيه استنفار ناعم داخل البيوت التي تشهد عملية تنظيف شاملة، حيث تحرص العائلات على تهيئة منازلها وتجهيز صالوناتها بأبهى حُللها لاستقبال الضيوف والأقارب.
أمام محل لبيع التوابل يعجّ بالحركة في مدينة الدار البيضاء، كانت فاطمة الزهراء الرامي (42 سنة)، ربة بيت، تنتظر دورها وسط زحام المتسوقين، لتقول ويداها مشغولتان بتفحص حبوب الكمون: "لا يمكن أن يمر العيد دون تأمين التوابل الأساسية؛ فالأطباق المغربية العريقة تحتاج نكهات خاصة وأصيلة. جئت اليوم خصيصاً لاقتناء الكمون والفلفل الأبيض والزنجبيل والكركم والقزبر (الكزبرة) المجفف، ناهيك عن الثوم والخلطات المخصصة للمشاوي و(طبق) 'المروزية'، بالإضافة إلى الفواكه المجففة كالبرقوق والمشمش والزبيب التي لاغنى عنها في مائدتنا".
ولا تقتصر الاستعدادات على اقتناء التوابل فحسب، بل تمتد لتشمل تجديد الأواني وتأمين مواد التنظيف، وهو ما تؤكده عزيزة الهبطي (30 سنة)، موظفة، وهي تتفحص المعروضات داخل أحد المحال التجارية قائلة: "لا يمكن أن تكتمل فرحة العيد الكبير بمعزل عن اقتناء أوانٍ جديدة؛ وعلى رأسها الأسياخ والمشواة، إلى جانب الأكياس البلاستيكية المخصصة للتجميد وأخرى للقمامة، دون أن ننسى مواد التنظيف بكميات وافرة، فمواجهة مخلفات يوم النحر تتطلب مجهوداً مضاعفاً للحفاظ على نظافة البيت وصحّة العائلة".
ولا يكتمل المشهد إلا بتأمين اللوازم اللوجستية التي تضمن مرور يوم النحر في أفضل الظروف، بدءاً بالمطبخ وصولاً إلى أدوات الذبح والسلخ. يوضح مصطفى العنزي (51 سنة)، تقني، هذا الجانب قائلاً: "بعد اقتناء الأضحية، يلتفت الرجال لتأمين بقية اللوازم؛ حيث نبدأ بتجهيز أدوات النحر والسلخ والتقطيع، ونقصد شاحذي السكاكين لشحذ الأدوات الضرورية. ومن مهامي أيضاً تأمين كميات وافرة من البصل، واقتناء ما يكفي من الفحم الخشبي؛ فرغم وجود المشواة الكهربائية، إلا أنه لا غنى عن الفحم التقليدي لمنح (طبق) 'بولفاف' ولحم الرأس المبخر تلك النكهة الأصيلة واللذة التي لا تقاوم".
أما في القرى وبعض الأحياء الشعبية، فلا تزال الاستعدادات لعيد الأضحى تتنفس عبق ماضٍ يقاوم الاندثار، عبر عادات تقليدية بدأت تتراجع تدريجياً؛ ومن أبرزها طقس النفقة، حيث تحرص النسوة قبل حلول ليلة العيد على تحضير خلطة من الحناء الممزوجة بماء الورد والقرنفل والأعشاب المحلية لطلاء رؤوسهن ورؤوس بناتهن، ثم لف الشعر بقماش أبيض، يسمى محلياً "زيف حياتي".
في هذا السياق، تتحدث زهرة النويالي (65 سنة)، من منطقة دكالة: "نحافظ على هذه العادات لتبقى حية؛ نشتري الحناء والقرنفل والورد الأعشاب لنصنع النفقة ونضعها على الرأس طيلة يوم العيد تعبيراً عن الفرح والزينة، وفي الوقت نفسه لحماية الرأس والشعر من ضربات الشمس اللاهبة ومن ألسنة النار المنبعثة أثناء شواء رأس الأضحية (التشواط) في هذا اليوم الشاق. وحتى الخروف له نصيب من هذا الاحتفاء، إذ نضع له القليل من الحناء على رأسه تيمناً بقدومه".
هذه الأجواء المفعمة بروح الترابط الأسري هي نفسها التي تدب في شرايين المدن حركة دؤوبة قبل العيد بأيام؛ إذ تشهد محطات المسافرين ومحطات القطار حركية غير عادية لمغاربة الحواضر صوب قراهم وبلداتهم الأصلية لدفء اللمة والاحتفال بين أحضان الوالدين والأهل. وفي القرى، ينخرط الشباب فور وصولهم في مساندة أسرهم وتخفيف عبء التحضيرات؛ ومن هؤلاء المعطي قاتير (21 سنة)، طالب من نواحي سطات، الذي يشرح مهامه في عيد الأضحى قائلاً: "بمجرد عودتي إلى القرية لقضاء العيد مع أسرتي، أتحمل مسؤولية أساسية وهي المشاركة في تأمين كميات كافية من المياه وتخزينها؛ فالإقبال عليها يكون قياسياً يوم العيد لأن استهلاك الماء يتضاعف، وعملية السلخ والتنظيف الشاملة تحتاج لوفرة المياه لتمر الأجواء في ظروف جيدة".
ومع بزوغ فجر يوم العيد، يحل سكون مفعم بالروحانيات والتكبيرات التي تصدح بها مآذن المساجد والمصليات في الهواء الطلق؛ إذ يتدفق المصلون مرتدين الأزياء التقليدية، وتتزين النساء بالجلابيب المغربية الأنيقة، ليتبادل الجميع عبارات التهنئة والمباركة من قبيل: "عواشركم مبروكة" و"تعيدوا وتعاودوا بالصحة والسلامة". يقول محمد أمين التهامي (28 سنة)، صاحب محل للملابس التقليدية: "أجمل ما في صباح العيد هو رؤية الجميع باللباس التقليدي؛ إنه يوم فخر حقيقي بهويتنا وتشبث أصيل بجذورنا. نتوجه جماعات وبأبهى حُللنا نحو المصلى، والتكبيرات تصدح في الأجواء لتشرح الصدور، وبعد انقضاء الخطبة، تبدأ المعايدات بين الجيران والمعارف في أجواء تفيض بالتسامح والمودة".
هذا المشهد الروحاني يكتمل ببهجة الأطفال الذين يسرقون الأضواء بحركيتهم وركضهم في باحات المصليات بملابسهم الجديدة. تتحدث سناء (29 سنة)، أستاذة، عن هذه الأجواء قائلة: "مهما كانت قساوة الظروف أو غلاء المعيشة، لا يمكن أن نحرم الصغار من بهجة العيد. بالنسبة للأطفال، تتلخص الفرحة في أمرين: الثياب الجديدة التي تمنحهم شعوراً بالتميز، والطقوس الشعبية التي تميز العيد الكبير؛ مثل عادة الخيلوطة ورش الماء أو ما يُعرف بطقس زمزم، وهي تفاصيل بسيطة لكنها تصنع ذكرياتهم".
بعد الانتهاء من عملية النحر والسلخ، تنبعث من البيوت المغربية روائح الشواء المميزة، تشرح نادية (47 سنة)، طباخة، طقوس المائدة المغربية قائلة: "يتربع طبق بولفاف، المكون من كبد الخروف الملفوف بالشحم والمشوي على الفحم، على رأس قائمة الأطباق الأولى للعيد، مصحوباً بكؤوس الشاي المنعنع والخبز الدافئ. أما وجبة الغداء، فتُخصّص لطبق التقلية المحضّر من أحشاء الخروف كالكبد والرئة والأمعاء مع الزيتون، بينما تُتوّج مائدة العشاء بطبق الكتف المحمر في الفرن والمزين بالمشمش أو البرقوق المعسل واللوز المقلي المقرمش، وهي أطباق دسمة تُرفق بالسلطات والمشروبات الغازية لتسهيل عملية الهضم".
وتتابع نادية حديثها: "وضمن الأطباق المميزة أيضاً، نجد طبق المروزية المعتمد على رقبة الخروف (العنكرة)، وهي وجبة فريدة تمزج بين الملوحة والحلاوة بفضل العنب المجفف واللوز. ولا يمكن أن يمر العيد دون تجهيز القديد بتمليح شرائح اللحم وتتبيلها ثم تجفيفها تحت أشعة الشمس، ليُحتفظ به لمدد طويلة دون أن يطاوله التلف أو الفساد، وهي عادة قديمة دأب عليها أجدادنا في زمن غياب المجمدات، وما زالت تحافظ على مكانتها بيننا، بالإضافة إلى الاحتفاظ بذيل الأضحية أو ما يُعرف بالذيالة، لإعداد طبق الكسكس".
ولا تكتمل طقوس "العيد الكبير" في المغرب دون إحياء عادة "خيلوطة" أو "تاقديرت"، وهي من العادات التراثية الضاربة في القدم والمرتبطة ببهجة أطفال الأحياء والقرى خلال عيد الأضحى. هذا الطقس هو عبارة عن وليمة يقيمها أطفال الحي فيما بينهم؛ حيث يقدم كل واحد منهم نصيبه أو جزءاً من لحم خروف أسرته، لتُجمع تلك الحصص وتُطبخ في قدر طيني صغير أو "طاجين"، يتحلق حوله الصغار بفرح.
في هذا الإطار، تقول الباحثة في التراث المغربي الشعبية زارني: "تعتبر خيلوطة من أبرز العادات الغذائية التي يحتفي بها الأطفال في عيد الأضحى، ولها امتداد عميق في الثقافة الأمازيغية حيث تُعرف بتاقديرت، وهي التسمية المؤنثة والمصغرة للقدر أو الإناء الطيني. هذا الطقس يتجاوز حدود التسلية، فهو ليس مجرد اجتماع أطفال، بل تمرين اجتماعي مبكر يغرس في نفوس الناشئة قيم المشاركة والعمل الجماعي والتكافل والتضامن".
ورغم مظاهر الفرح الممتدة وحركية البهجة التي تلف البيوت والأحياء، لا ينسى المغاربة في عيد الأضحى راحليهم؛ إذ تتجدد صلة الوصل مع الذاكرة الغائبة عبر زيارات مكثفة تشهدها المقابر صبيحة يوم العيد أو في اليوم الذي يسبقه. وتحرص العائلات على التوافد نحو المقابر لقراءة سورة الفاتحة والترحم على أرواح الأموات وتوزيع الصدقات، في التفاتة دافئة إلى من غادروا الدنيا وتركوا خلفهم أصداء ضحكاتهم وذكريات أعيادٍ مضت. ورغم التحديات الاقتصادية الراهنة وموجة الغلاء التي طاولت أسواق الأضاحي ومستلزمات العيد ملقيةً بظلالها على جيوب المواطنين ومجبرةً عائلات كثيرة على إعادة ترتيب أولوياتها والاكتفاء بالضروري، إلا أن تفاوت القدرة الشرائية الملحوظ في الأسواق لم ينجح في إطفاء جذوة "العيد الكبير" وسحره، إذ يظل حرص المغاربة على صون تقاليدهم وإحياء شعائرهم وتجديد دماء صلة الرحم بمثابة صمام أمان هوياتي لا تنازل عنه.

Related News
إسرائيل تواصل استهداف قيادات «القسام»
aawsat
3 minutes ago
الإفقار الممنهج لغزة استمرّ منذ وقف إطلاق النار
alaraby ALjadeed
11 minutes ago
إسرائيل تتشدد ميدانياً قبل المفاوضات مع لبنان
aawsat
11 minutes ago