Arab
نشرت "الملايين"؛ جريدة الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني المصرية (حدتو)، الخبر التالي في أكتوبر/ تشرين الأول 1951: "في منزل الفنانة السينمائية لولا صدقي اجتمع 25 من الكتاب والفنانين، ورجال السينما، لإعلان تأليف لجنة الفنانين المصريين أنصار السلام". لحظة يرصدها الروائي المصري محمود الورداني في كتابه "حَدِتُّو.. سيرة ذاتيَّة لمنظمة شيوعيَّة" (دار المحروسة، القاهرة، الطبعة الثانية، 2025)، تشير إلى طبيعة حراك اليسار في مصر التي كانت متشابكة مع أهل الفن والثقافة، والشخصيات الفاعلة في الشأن العام، وطلاب الجامعات، الذين انخرطوا في أنشطتها النخبوية إلى جانب حضورهم في الميدان.
ويذكر الكتاب أن هذا الاجتماع في بيت صدقي أثمر عن توقيع الحاضرين، ومنهم البنداري باشا الذي شغل مناصب سياسية عديدة في العهد الملكي، والناشطة النسوية والكاتبة درية شفيق، والصحافي والسياسي فتحي رضوان الذي شغل حقيبة الإرشاد القومي في بدايات عهد عبد الناصر، على تأسيس حركة لأنصار السلام في مواجهة الدول الاستعمارية التي كانت تلوّح بالحرب، عبر تأييد ميثاق استوكهولم الذي يطالب بعدم استخدام الأسلحة النووية، والسعي لتأسيس لجنة قومية لأنصار السلام، ولجان قاعدية في الأحياء والمصانع والنقابات، آنذاك.
في تقديمه، يوضّح الورداني أن الكتاب يُنشر بعد ثمانية عشر عاماً من صدور طبعته الأولى عن دار الهلال، لافتاً إلى اهتمام الشباب من الجيل الجديد بما حققته حدتو قديماً، فمن بين التنظيمات الشيوعية استطاعت أن تجذب العديد من الشباب المثقف والطلاب، ما أبقى الفكر اليساري راسخاً لفترة طويلة في المشهد الثقافي المصري.
يستعرض الكتاب تجارب أهم الفنانين الذين ارتبطوا بالحركة
ولم يقتصر الكتاب على حركة حدتو التي أُعلن عنها في سبتمبر/أيلول عام 1947، بعد اندماج منظمتين سريّتين، هما/ الحركة المصرية للتحرُّر الوطني، وإيسكرا، لكنه يلخّص مجمل تاريخ الحركة الشيوعية المصرية، كاشفاً عن مسار معظم التنظيمات اليسارية على مختلف تياراتها قبل أن تُحل وتدمج داخل الاتحاد الاشتراكي في منتصف الستينيات.
مسرحيّات قصيرة
يحكي المناضل خالد حمزة المنتمي إلى طليعة العمال في قسم "شهادات ورؤى" أن التوجيهات التي وصلت إليه أن يشارك في لجنة أنصار السلام في بولاق أبو العلا، وأن يساهم في توزيع مجلة الكاتب؛ لسان حال الحركة التي بلغ توزيعها 22 ألف نسخة أسبوعياً، فنجح في تشكيل لجنة لأنصار السلام في الحيّ مع عدد من أبناء الحي، وابتكر هو وزملاؤه أسلوباً جديداً تماماً لنشر أفكار السلام، حيث اشتركوا في كتابة مسرحيات قصيرة ذات فصل واحد وتمثيلها تظهر فيها شخصيات مثل: إله الحرب، وعمال وفلاحون، وتعرض في الحدائق العامة. يقول خالد حمزة "نذهب إلى مكان العرض في الجمع والإجازات ونعمل حلقة ونصفق بأيدينا في إيقاع موحد، فيجتمع حولنا الناس فنبدأ العرض، وكان لا يزيد عن عشرين دقيقة، بعدها نذهب لحديقة أخرى. وكان أعضاء اللجنة غير المشتركين في التمثيل يناقشون الناس الذين يقبلون على حضور العروض، من أجل توضيح إحدى القضايا الإشكالية التي شغلت الشيوعيين العرب في تلك الفترة، بالقول بأن السلام لا يعني استسلام الشعوب المقهورة، وإن الكفاح المسلح ضد الاستعمار هو عمل من أعمال السلام. ويضيف "كان زملاؤنا بعد انتهاء مناقشتهم يتبعوننا إلى مكان العرض القادم. اكتشفنا بعد عدة عروض أن البوليس السياسي ينتظرنا فتوقّفنا".
جماعة الفن والحرية
كما يتحدث الكاتب عن "جماعة الفن والحرية" التي يرى أنها تشير إلى جانب آخر من لوحة فسيفساء ميّزت نشأة الحلقة الثانية، في "بيت الفن". في الحلمية الجديدة انطلقت مجموعة من الشعراء والفنانين التشكيليين، من بينهم: جورج حنين ذو الميول التروتسكية الذي عرف في ما بعد واحداً من كبار الشعراء السرياليين باللغة الفرنسية على المستوى العالمي، وهو أيضاً أحد أبناء الأرستقراطية الكبار، فأبوه صادق باشا حنين من كبار أثرياء مصر، وتزوّج من بولا العلايلي حفيدة أحمد شوقي أمير الشعراء. وفي عام 1939 كان يخطو خطواته الأولى مع عدد من الفنانين مثل: أنور كامل ويوسف العفيفي ورمسيس يونان وكامل التلمساني، وأغلبهم ينتمي طبقياً إلى البورجوازية الكبيرة والإقطاع، ولديهم ثقافة أجنبية ودافعهم الأساسي التمرد الفني والجمالي.
وتعد مجلتهم "التطور" تعبيراً نظرياً عن أفكارهم، بحسب الكتاب الذي يلفت إلى أنه صدر منها سبعة أعداد عام 1940، قبل أن تحتجب (أُعيد نشرها كاملةً من خلال مطبوعات الكتابة الأخرى في مجلد واحد في تسعينيات القرن الماضي).
ومن بين أنشطة الجماعة المتمردة إقامة أول معرض تشكيلي سريالي في القاهرة، وتشكلت بعد ذلك جماعات أخرى مثل الخبز والحرية، الجبهة الاشتراكية، وحُلّت رابطة أنصار السلام بعد أن اشتعلت الحرب العالمية الثانية، وأسسوا بدلاً منها "جماعة الدراسات" في شارع عدلي بوسط البلد في القاهرة. كما تأسست منظمة طليعة العمال، التي هدفت إلى محو الأمية بين العمال والفلاحين، وتحول بيت يوسف درويش في حي بولاق إلى مقر للجماعة، وفي هذا السياق تأسست مجلتا "الفجر الجديد" و"الضمير"، ولجنة نشر الثقافة الحديثة.
طفلة تمسك برتقالة
في هذا الوقت لم يكن المجتمع المصري يتقبّل سجن النساء في قضايا سياسية، لذلك تأخر اعتقال نساء "حدتو"، إذ بدأت حملة اعتقالهن في مارس/ آذار 1959، فهوجم بيت الفنانة التشكيلية إنجي أفلاطون، لكنها هربت وتنكّرت في زيّ فلاحة، وارتدت طرحة فوق منديل الرأس وكردان على الرقبة، ووضعت كحلاً كثيفاً مع زوجين مسنين باعتبارها هاربة من بيت الطاعة! وحين قبض عليها بعد ثلاثة أشهر، سألها وكيل النيابة هل كنت متنكرة؟ قالت إنها فنانة وتحب رسم الفلاحين وبسبب هروبها ارتدت هذه الملابس، وكانت تقف أمام المرآة لترسم نفسها.
أصدرت الحركة مجلّات وجرائد وأسّست لجاناً لنشر الثقافة
قضت إنجي عامين في السجن، واستطاعت أسرتها أن تستخرج لها تصريحاً رسمياً يسمح لها بالرسم داخل السجن، فرسمت عملها الشهير لطفلة تمسك برتقالة، وهي في الأصل ابنة واحدة من تجار المخدرات، المحكوم عليها بالمؤبد، وأُعجب بهذه اللوحة العميد عباس قطب مدير منطقة سجون القناطر وأصرّ على شرائها بجنيه واحد، آنذاك.
شهادة محمود أمين العالم
ولكي تتضح قوة اليسار المصري، ومدى نفوذه في تلك الحقبة الزمنية، أورد المؤلف عدة شهادات، منها شهادة محمود أمين العالم، الذي يروي في الجزء الخامس من سلسلة "شهادات ورؤى" أنه في أواخر نوفمبر/ تشرين الثاني 1958، وقبل أن تبدأ حملة اعتقالات نظام عبد الناصر للشيوعيين بأسبوع تقريباً: "اتصل بي يوسف إدريس، وقال لي إن أنور السادات يريد مقابلتي، فذهبت معه إلى بيت أنور السادات في الهرم، والذي طلب مني الانضمام إلى الاتحاد القومي، وإلا سيكون مصيرنا مثل الإخوان المسلمين". رفض العالم التهديد قائلاً إن التنظيم له جذور شعبية من عمال وفلاحين وتاريخ طويل وعميق في الحركة الوطنية، وإنه يوافق على الانضمام كتنظيم وليس كأفراد كما يقترح السادات. فردّ الأخير: "دعك من كل هذا. نحن نريدك أنت شخصياً لتكون معنا". فقال له العالم: "لا يصح أن تقول هذا الكلام. أنا هنا لأمثّل المكتب السياسي للحزب الشيوعي المصري وأرجو أن تبلغ تحياتنا لعبد الناصر لمواقفه الوطنية". يضيف "في الحقيقة كان السادات مهذباً، وظل يبحث لي عن السائق ليوصلني إلى منزلي، ولكنه وجده نائماً فقال لي ضاحكاً: "أنت بروليتاري.. عُد على قدميك".
في الختام، وبصيغة اعترافية لم يستثن الورداني نفسه حين أوضح عجز مفكري الاشتراكية، ومعتنقيها، عن تطوير النظرية، أو على الأقل التنازل عن الأفكار التي تجاوزها الزمن، وانتهاج الطريق البرلماني كما حدث في بعض البلدان الغربية. لكن أهم ما يميز الكتاب تدوين روايات الذين عاصروا الحركة الشيوعية المصرية والدور الذي لعبته في انقلاب يوليو 1952، ثم الصدام بين فصائل الحركة كافة، وبين الضباط الأحرار الذي انتهى بأبشع عملية تعذيبٍ في رمال الصحراء في معتقل المحاريق، على مدى خمس سنوات، منذ عام 1959، وحتى عام 1964.
* شاعرة مصرية

Related News
«لينكدإن» تواجه شكوى بسبب بيعها بيانات المستخدمين
aawsat
24 minutes ago
إصدارات.. نظرة أولى
alaraby ALjadeed
26 minutes ago
قاليباف: معادلة جديدة في مضيق هرمز طور التثبيت
alaraby ALjadeed
30 minutes ago