قبل هذا المشهد وبعده
Arab
1 hour ago
share
هذا مشهدٌ غزيرُ المدلولات والمعاني، وفيرُ الإيحاءات والمغازي، .... كل واحدةٍ من هذه تفرض جُهداً خاصّاً للوقوع عليها، ومَلَكاتٍ في الوقوف على كثيرٍ من مضامينها. أما العبر والعظات والدروس فظاهرةٌ، منكشفة، لا عنتَ ولا مشقّة في تسقّطها ونثرها وإذاعتها. ... الحديث عن مشهد عاطف نجيب في قفصٍ في محكمة في القصر العدلي في دمشق. الرجل الذي تطاوَس على أهالي درعا، وزاول تحقيراً شنيعاً لهم، وأمر بتعذيبٍ مخزٍ لنساءٍ وأطفال منهم. أوهمتْه خُيلاءُ متوطّنةٌ فيه إن سلطةً ممنوحةً له تبيح له أن يرى ناساً متبرّمين، فرحين بثورةٍ في تونس، غير راضين من غير شأنٍ وشأن، ليسوا من البشر. ظنّ أن التاريخ سيُديم له القوة التي يستشعرها في جوفه، المسروقة التي تُخفي هشاشةً عميقةً فيه. غاب عنه البديهيُّ المؤكّد، أن التاريخ قد يتغافل عن الطغاة طوْراً أو أطواراً، وقد يتيح لمجرمين حمقى، مرضى بذواتهم، بعض الوقت ليقترفوا خروجاً نافراً، وشاذّاَ، عن سطوره ومساراته، غير أن له، في الوقت نفسه، مفاجآته، ضرباتِه التي يسدّدها في ظرفٍ يطرأ أو يستجدّ من دون احتساب موعده.  هنا، يحسُن أن يتذكّر كثيرون منّا أن مخيّلاتنا جنحت كثيراً إلى مساحاتٍ نائية، عندما كان عاطف نجيب يرتكب مخازيه في درعا في الشهر الثالث من العام 2011، وتساءلوا ما إذا كان يومٌ سيصيرُ في زمنٍ ما، بعيدٍ أو قريب، فيلقى فيه هذا الرجل ما يستحقُّه من سوء العقاب. كانت قرائحنا، ومن في ضفافنا ضد السلطة التي تغتصب السلطة في سورية، تستدعي هذا السؤال، ربما للسلوى ومناجاة الحشايا لتطمئنّ النفوس إلى أنه لا بد لليل أن ينجلي وللقيد أن ينكسر، بلغة أبي القاسم الشابي. وللحقّ والحقيقة، تمكّنت أرطالٌ من اليأس فينا، وأخذت مواقعها في شخوصنا، لمّا مضى النظام في جرائمه في مدىً شديد الفداحة، واسترخص حياة السوريين، ليس فقط بالبراميل المتفجّرة وغاز السارين والمقذوفات من غيرنوع، وليس فقط باستدعاء الإيراني والروسي شريكيْن في المذبحة، وإنما أيضاً بتعظيم الفساد والإفساد والتمييز والتطييف والاستقواء، عدا عن التجويع والتشريد وإهمال التنمية وسوْءاتٍ أخرى. وبالتوازي، كانت اهتراءاتٌ وركاكاتٌ في أجسام المعارضة تُضاعف من الأسى والأسف، وذهب رصاص بعض الثوار إلى وجهاتٍ في غير البوصلة اللازمة. ولا يخصم أبداً من إيماننا بحتمية انتصار الشعوب على ظالميها، أنَّ مشاهد عاطف نجيب، وأمثالٍ له، في أقفاص العدالة، صار، في تلك الغضون، يبتعد عن قرائحنا ومخيّلاتنا أكثر وأكثر. ... ولكنه التاريخ لا يخذل الصابرين، ولو بعد زمن. ويجوز القول هنا إنه لم يبخَل على السوريين بما فيه ولديْه، فصار عاطف نجيب في القفص المشتهى. وصار أمجد يوسف في القبضة التي انتظرتْه طويلا. وصار طيّارون، لم تهتز شعرةٌ في أبدانهم وهم يلقون القذائف والبراميل على سوريين فقراء، أمام محقّقين يُساءَلون ويُسألون. ... هنا، تؤكّد هذه المشاهد التي تتالت في الأسبوعين الأخيرين أن ثورةً في سورية نجحت في إنقاذ أهل البلد من قوة احتلالٍ كانت بقيادة الفارّ بشّار الأسد. غير أن هذا النجاح يفترض استحقاقاتٍ بلا عدد لصيانته وحمايته، وليُؤتي ما تطلّعت إليه أشواق السوريين، وهم يشتهون بلداً بلا مقابر جماعية، بلا تعذيبٍ في المشافي وبلا قتلٍ كيفما اتفق، بلا صور للرئيس وأبيه لا عدد لها، بلا خوفٍ من كل شرطي، بلا مخبرين كما النمل. بلد فيه مقادير من العدالة والكرامة، يُحارب الحاكمون فيه الفقر والبطالة والعوز، ويُعنون بأحسن تعليم وطبابة وتنمية وتحديث وتمدين للمواطنين المتساوين في كل ما وجب عليهم وما يجب لهم.  درب الآمال طويلٌ إلى سورية المشتهاة هذه، وقد انتهى دربُ الآلام والعذاب. وهذا مؤشّر منظمّة مراسلون بلا حدود يخبر إن سورية اجتازت في نحو عام ونصف العام 34 نقطة، من دون أن تصبح، طبعا، كما ديمقراطيات إنجلترا وسويسرا، غير أنها تتقدّم في حرّية الصحافة على الأردن وغيره. وهذا مبشّر، ويحسُن الثناء عليه، من دون الاستسلام لدعةٍ أو نومٍ أو استكانة، فما بعد مشهد عاطف نجيب في القفص يتفرّج عليه مكلومون من ضحاياه أكثرُ تطلباً ومشقّة ... والتوقّعات والانتظارات كثيرة، بل كثيرة جداً، والله المسهّل والموفق.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows