Arab
أتحفنا سقوط نظام الأسد بمعارضات نوعية يجمعها الخير المطلق، ويجمع خصومها في الطرف الآخر الشر المطلق، من دون إحالتها إلى التنظير الديني، للاشتباه في الدين نفسه. هذه الإشارة كي لا تأخذنا إلى الدين بمعزل عن السياسة، فالدين أصبح سياسة، والسياسة أصبحت ديناً.
مع تحول السلطة إلى عدو مطلق في خطاب بعض المعارضين في الداخل والخارج، فإن ذلك لا يعكس موقفاً سياسياً فقط، بل يعكس أيضاً بنية ذهنية، باتت ذهانية تقوم على ثنائية: خير/شر، ما رشحها نحو الانعطاف إلى حداثة/رجعية، علمانية/إسلامية. هذه الثنائيات، على بساطتها مريحة، تُعفي صاحبها من عناء التفكير في التقارب مع الآخر، أو الحوار في مناطق محايدة. طالما أنها ضد الفهم والتفاهم حول ما يخص الوطن، فتعمد إلى إنتاج أحكام جزافية، تفتقر إلى المصداقية، لن يكون الغائب الوحيد سوى الحقيقة، أو ما يشبهها، وبما أن الحقيقة متعددة الوجوه، فالشر متعدد، ولا وجه للخير.
ولئلا نشمل هذا النوع من المعارضة تحت يافطة موحدة، نركز على الأيديولوجي الصلب، لأنه الأبرز، والأكثر تميزاً، والأعلى صوتاً، من ناحية امتلاكه منظومة فكرية جاهزة، يسارية، أو حداثية، أو ليبرالية، أو علمانية، وغالباً خليط منها... المهم راديكالية، تُسقط على الواقع السوري كقالب مسبق. لا تقرأ الوقائع بقدر ما يُعاد تأويلها لتنسجم مع الفكرة الأصلية: السلطة، أيّاً كانت، هي بنية قمعية تسلطية؛ والدين، حين يقترب من السياسة، هو تهديد بالضرورة للتقدم والحداثة؛ وأي خطاب مختلف يُفسَّر بوصفه انزلاقاً نحو "الرجعية" أو "الإرهاب"، مع تخصيصه بالقاعدة وداعش.
يتحول بعض المعارضين من دون أن يقصدوا إلى متطفلين على الجهد السوري
الطبيعي أن يصبح الحكم على الواقع عملية استنتاج نظري، لا يحتاج إلى معايشة أو معاينة، أو تحقق ميداني، فالنتيجة معروفة سلفاً، هذا بحكم انتماء الأيديولوجي الصلب إلى ناشطين امتهنوا المعارضة لارتباطهم بشكل، أو بآخر بمنظمات حقوقية، أو إعلامية، أو مراكز أبحاث غربية.
لا يعني هذا بالضرورة أن عمل أي ناشط أيديولوجي غير مشروع، لكن الإشكالية تظهر عندما يتحول النشاط إلى مصدر رزق مستقر، فتدخل الاعتبارات المهنية في تشكيل الخطاب، فالناشط يريد المحافظة على مصدر المال، ما يوجب ميلان الروايات حول الأوضاع السورية إلى ما يلقى استحساناً لدى الجهات الداعمة، فأي حدث، مع القليل من الأدلة، يجوز وصفه بـ: انتهاكات، قمع، تهديدات دينية، تعسف إسلامي، دكتاتورية إرهابية، تقييد للحريات، طريق معطل إلى الديمقراطية.
في الواقع، ولو كان الناشط واسع الاطلاع على الحداثة الغربية، كما يعتقد، لا يخوله المبالغة بانتقاد السلطة، والاستهتار بجهودها وتسخيفها، والنظر إلى الشعب باحتقار، باعتباره نسخة طبق الأصل عن العوام، والدهماء، بذريعة الرضوخ للسلطة الجديدة، والانتظام المذل في طوابير الغاز والخبز والوقود عن طيب خاطر.
إن الاتهامات الجاهزة كإلصاق تهمة "الإرهاب" أو "الأسلمة" بالسلطة، تفقد معناها حين تُستخدم بإفراط. فالمفاهيم التي لا تُضبط بدقة تتحول إلى شعارات من الأنواع الظافرة التي عانينا منها في زمن البعث، تضر بالقضية التي يُراد الدفاع عنها، لأنها تضعف مصداقية الخطاب وتجعله عرضة للتشكيك.
بهذا المعنى، يتحول بعض هؤلاء النقاد من حيث لا يقصدون إلى متطفلين على الجهد السوري، مع أنهم يريدون الانخراط في الشأن العام، ليس لأنهم ينتقدون، بل لأنهم لا ينتقدون ما يجب انتقاده فعلاً، ما يوجب عليهم مخالطة الواقع والبحث في تجاوزات السلطة، التي لا تعد أحياناً مجرد أخطاء، وإنما جرائم فساد موصوفة.
يتطلب العمل في المعارضة، عدم الخضوع لثنائية الخير والشر، ولا التلويح بها من دون امتلاك أدوات كافية للفهم والتقصي، وإدراك أن الحقيقة ليست ملكاً لطرف واحد، وإذا كانت صراعاً بين طرفين، لن ينتصر فيها الطرف الأعلى صوتاً، بل الأكثر قدرة على الإقناع.
* روائي سوري

Related News
ماريا خوسيه.. تشيلي المنسية زمن الدكتاتورية
alaraby ALjadeed
46 minutes ago
قفز فوق درجات المؤشّر
alaraby ALjadeed
46 minutes ago