ماريا خوسيه.. تشيلي المنسية زمن الدكتاتورية
Arab
1 hour ago
share
تكتسب الأشياء في حيادها التام داخل محال الخردوات ومتاجر الأدوات الصلبة صمتاً مهيباً؛ فالمسامير والمطارق والمناشير أدوات وظيفتها الربط أو القطع، في رواية "الضوء آخر المساء" (دار تكوين، الكويت/ ترجمة مارك جمال، 2025) للكاتبة التشيلية ماريا خوسيه فيرّادا، التي تمنح الجمادات ثقلاً وجودياً وسياسياً يتجاوز طبيعتها المعدنية حين يصير المسمار هنا الوحدة البنائية الصغرى التي يقوم عليها هيكل العالم، الهيكل الهش لبلدٍ مثل تشيلي يحاول الوقوف على قدميه بعد زلازل سياسية واقتصادية طاحنة. تتناول الكاتبة قصة "د"، البائع المتجول لمنتجات علامة "كرامب"، وهو العنوان الأصلي للرواية، وابنته الصغيرة التي ترافق رحلاته في سيارة رينوليتا عبر بلدات تشيلي المنسية. نرقب من خلال عيني هذه الطفلة عالماً يتشكل من تفاصيل صغيرة وممارسات يومية تبدو عادية، وهي في جوهرها انعكاس لمنظومة كاملة من الهيمنة، والوعود الزائفة، ومحاولات البقاء الفردي في مجتمع تفككت روابطه لصالح منطق السوق. صناعة الإنسان المقاول يختار البطل "د" اللحظة التي خطا فيها نيل آرمسترونغ على القمر لتبدأ مسيرته المهنية، ليمثل هذا التقاطع استعارة مكثفة للوعد النيوليبرالي الذي اجتاح تشيلي في حقبة السبعينيات والثمانينيات، حيث كان "د" يؤمن بأن كل شيء ممكن ما دام يملك العزم والبدلة الملائمة والحذاء اللامع. إنه التجسيد الحي لما أسماه ميشيل فوكو "الإنسان المقاول"؛ ذلك الفرد الذي يعيد صياغة ذاته بوصفها رأس مال يجب استثماره وتطويره باستمرار. شهدت تشيلي في تلك الفترة تحولاً جذرياً تحت الحكم العسكري، وطبقت سياسات السوق الحر الأشد تطرفاً، وتحول المواطن من عضو في نسيج اجتماعي إلى وحدة اقتصادية منفصلة. يرى "د" في هبوط الإنسان على القمر ذروة الإمكان الفردي، وهو ما يدفعه إلى صياغة "نظرية معرفة" خاصة به، تقسم الحياة إلى أحداث محتملة وأحداث مستبعدة بناءً على منطق الربح والخسارة. إن حذاء "د" الذي يعد ألمع حذاء شهدته المدينة يعكس رغبته المحمومة في تقديم ذاته سلعةً ناجحةً وسط ركام الفقر والتهميش الاجتماعي. تمنح الجمادات ثقلاً وجودياً وسياسياً يتجاوز طبيعتها المعدنية مارتن هايدغر والتقنية تتحول المسامير في يد "د" إلى أداة فلسفية لشرح الوجود مخبراً ابنته "م" أن أكبر بناء في العالم يقوم على هيكل متصل عن طريق المسامير، ويحذرها من أن مسماراً واحداً قد يعجل بنهاية العالم في حال اهتزازه. يعيدنا هذا المنطق إلى رؤية مارتن هايدغر للتقنية بوصفها طريقة لتأطير العالم؛ حيث يتحول كل شيء إلى مخزون احتياطي من الأدوات. يحمل هذا المسمار دلالة سياسية عميقة في السياق التشيلي. إن البناء الذي يخشى "د" انهياره هو الاستقرار الاجتماعي الزائف الذي شيده الاستبداد. لم تكن الدكتاتورية مجرد قمع عسكري، كانت "هندسة اجتماعية" دقيقة حاولت ربط المجتمع بمسامير اقتصادية صلبة، محولةً الناس إلى بائعين متجولين يطاردون أوهامهم الفردية بينما تنهار المرافق العامة والمواصلات والضمانات الجماعية. تشير الرواية إلى إضراب قادة الحافلات بوصفه علامة على التفسخ الذي يصيب الأطراف بينما ينشغل "د" بتلميع صورته في المرآة. مرآة المجتمع المصدوم تبرز في المقابل صورة الأم التي فقدت إحدى عينيها، وهي شخصية مأساوية تبدو كأنها لا تبصر حقيقة العالم، ويمثل فقدان العين استعارة للرؤية المبتورة وللمجتمع الذي أُصيب بالعطب نتيجة العنف السياسي المكتوم. تعيش الأم في صمتها، كأنها الشاهد الأخرس على ما لا يمكن قوله في ظل نظام يقدس المظاهر والنجاح المادي. يتضح الانفصال الحاد بين عالم الأب القائم على منظومة العمل وبين عالم الأم القائم على الانعزال والفقد، وتختار الابنة الانحياز إلى عالم الأب، تتبنى منطق الإصرار، فتتعلم الابتسام للغرباء وشكرهم على هدايا الشوكولاتة، حيث يصبح التمويه وسيلة وحيدة للتعايش. سيادة "كرامب" والواقع الاجتماعي  تعد سيارة رينوليتا التي تجوب البلدات المعمل الحقيقي الذي تُصنع فيه الروح الجديدة لتشيلي. عندما يقول "د" إن الكبير والصغير يكمل أحدهما الآخر، فإنه يشرعن بقاء الصغار في خدمة المنظومات الكبرى العابرة للحدود التي تمثلها علامة "كرامب"، ويحول "د" مشاعره إلى ملاحظات على مناديل المقاهي، ويربط سعادته بحجم الطلبيات، وهي حياة مَقيسة بالكم والعدد تماماً كأدوات الخردوات. تعيدنا إلى مقولة أرندت حول العنف الذي يتسلل إلى تفاصيل اليومي عاشت تشيلي في تلك الحقبة حالة من التناقض؛ نمو اقتصادي في الأرقام الكلية يقابله تآكل في الروح الإنسانية. تصف فيرادا هذا التآكل من خلال تفاصيل صغيرة، مثل ضرورة التحقق من لمعان الأحذية قبل الدخول إلى أي متجر؛ فالاحترافية التي ينشدها "د" هي القناع الذي يرتديه ليتجنب مواجهة الحقيقة القاسية خلف الأبواب المغلقة في المدن التي يزورها. تفكيك البراءة تعيدنا الرواية إلى مقولات حنا أرندت حول العنف الذي يتسلل إلى تفاصيل اليومي، فالشر في الرواية يكمن في "سيجارة الحظ" التي تمنح الطفلة شعوراً بالزمالة مع والدها، بينما هي في الحقيقة استلاب مبكر لطفولتها لتكون جزءاً من ماكينة البيع. إن العالم الذي يمسكه مسمار هو عالم يفتقر إلى الضمانات الأخلاقية، حيث يمكن لأي اهتزاز بسيط في السوق أن يطيح حيوات بأكملها. تكتشف الابنة "م" تدريجياً أن التفكك الأسري الذي تعزوه المعلمة إلى حالتها ليس إلا قشرة خارجية لتفكك أشمل يضرب جذور الوجود؛ تشظٍّ روحي يجعل "النجار الأعظم"، بكل ما يحمله الرمز من إحالات دينية ووجودية، لا يسمع نداءات الصغار، وآخر مهني واقتصادي يحول الأرض إلى مساحة مليئة بصواميل العقول التي فقدها الناس، حتى لم تعد المتاجر في حاجة إلى شراء المزيد. في هذه اللحظة، ينهار منطق "الذات المقاولة"؛ فالمبيعات لا تسير على ما يرام ليس لنقص في الإرادة، وهي الفكرة التي حاولت الابنة اختبارها عبر تجربة الانقطاع عن التنفس، بل لأن إرادة الجنس البشري كاملاً قد أخفقت أمام ضخامة الانهيار.  * ناقدة ومترجمة مصرية

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows