Arab
تكافح السلطات القضائية الليبية من أجل ضبط الإطار القانوني المنظم للهوية المجتمعية، بينما يُعبر مواطنون عن مخاوف من أن يؤدي تزوير الأرقام الوطنية إلى تهديد التماسك الاجتماعي.
وبدأت ملامح القلق تتصاعد منذ إعلان النيابة العامة في أغسطس/آب 2022، اكتشاف أكثر من 88 ألف رقم وطني غير صحيح، تبين لاحقاً أن 63 ألفاً و900 منها لا وجود لها في منظومة السجل المدني، ما أثار حينها ردات فعل واسعة حول طبيعة هذه التجاوزات، خصوصاً في ما يتعلق بحالات منحها لغير الليبيين. وجاء هذا الإعلان تالياً للكشف عن وجود ثلاثة آلاف و829 بطاقة انتخابية مزورة خلال الاستحقاق الانتخابي الذي كان مقرراً في نهاية عام 2021.
وخلال الأشهر الأخيرة من عام 2025، أعلنت السلطات القضائية الليبية ضبط عدد من المتورطين في جرائم تزوير للأرقام الوطنية في مناطق متفرقة من البلاد، شملت حالات مرتبطة بتمكين وافدين من الحصول على هذه الأرقام. وفي بداية العام الجاري، تصاعدت وتيرة الملاحقات القضائية، ليتم ضبط نحو 1703 حالات تزوير في الأرقام الوطنية.
ولا يزال العدد الدقيق لحالات التزوير غير محسوم في ظل استمرار التحقيقات القضائية، وقال عضو لجنة الأمن القومي بمجلس النواب، طلال الميهوب، في تصريحات صحافية سابقة، إن التقديرات تصل بالأعداد إلى نحو 700 ألف رقم وطني مزور. لكن المسؤول بمصلحة الأحوال المدنية، منير الحكيمي، لا يرجح أن يصل العدد الكلي إلى هذا الرقم، مشيراً إلى أن التحقيقات بدأت منذ عام 2017 بتشكيل لجان أجرت زيارات ميدانية لكل مكاتب السجل المدني في مختلف المناطق الليبية.
ويؤكد الحكيمي لـ"العربي الجديد"، أن "التحقيقات استقصائية للغاية، ما يفسر عدم انتهائها من حسم الملف، فاسترجاع قاعدة بيانات الأرقام الوطنية ليس أمراً من السهل البت فيه بعد العدد الكبير من وقائع التزوير التي تم اكتشافها".
ويعد الرقم الوطني المرجع الأساسي الذي تُبنى عليه الهوية القانونية للفرد، من حيث إثبات الشخصية، والاستفادة من الخدمات العامة، وتنظيم شأنه القانوني، ويتجاوز ذلك إلى إثبات التوزيع الديمغرافي المرتبط بالتفرعات الاجتماعية، بما ينعكس على الهوية الوطنية للبلاد.
ورغم أن الوثائق الثبوتية المزورة مكنت وافدين من الحصول على وظائف أو منح مالية مخصصة للمواطنين، إلا أن عضو المجلس الأعلى للقبائل الليبية (أهلي)، فرج الفيتوري، لا يعتبر أن هذا هو الخطر الأكبر، مؤكداً أن "الخطر يكمن في مستوى أعمق، يتمثل في الوصول إلى الجنسية وجوازات السفر".
ويلفت الفيتوري إلى تصريحات وزير الداخلية في حكومة الوحدة الوطنية، عماد الطرابلسي، في يوليو/تموز 2025، والتي أوضح فيها أن معظم حالات التزوير في ملف الرقم الوطني تعود لأشخاص يحملون جنسيات أفريقية وشرق آسيوية. ويقول: "هذا التحديد في الجنسيات يضعنا أمام واقع خطر. المناطق الريفية والبدوية تبدو صعبة الاختراق، ويمكن أن يميز فيها الدخيل بسهولة، ولذا فالمخاطر تتركز في المدن التي يطبعها الاختلاط وتذوب فيها الفوارق، وفي مناطق الجنوب الليبي التي تغزوها موجات المهاجرين عبر الحدود المفتوحة".
ويوضح أن "التحول الديمغرافي في الجنوب الليبي قد يواجه خطر التقنين إذا كانت الأرقام المزورة أكبر من قدرة السلطات القضائية على ضبطها وتطويقها، والامتدادات ستصل إلى مفاهيم السيادة وغيرها من المفاهيم التي تتخذ من الأصالة الاجتماعية وعمقها حصناً لها، وكل هذا يفضي إلى حالة من الإرباك في نسيج البنية الاجتماعية التقليدية، كونها لا تزال تقوم على التعارف العائلي والامتداد الاجتماعي. الجزء الأكبر من المجتمع الليبي يقع في المدن الكبرى، وتقوم روابطه على تفاصيل الحياة اليومية بروابطها العائلية المحدودة".
ويرى الفيتوري أن "القلق يتركز في المجتمع المديني، حيث يسهل الاندماج بسبب اقتصار العلاقات على بيئة محدودة وضيقة. المسألة لا تتعلق برفض الآخر، وإنما بالخوف من أن تصبح الهوية القانونية منفصلة عن الامتداد الاجتماعي الحقيقي داخل البلاد، وهناك مخاوف من تفشي ظاهرة تزوير الأوراق الثبوتية، وردات الفعل المجتمعية حيالها، وخشية من أن تتصاعد الحساسية تجاه مسألة الأصول والانتماءات، وبالتالي تفتت الثقة الاجتماعية، واهتزاز اليقين بين الأفراد".

Related News
قلق بين الغزيين من التلويح بالحرب ورفض «نزع السلاح»
aawsat
35 minutes ago