Arab
في وقت تروّج الحكومة الإسبانية لخطة تسوية أوضاع مئات آلاف المهاجرين، والتي تمتد حتى 30 يونيو/ حزيران المقبل، وتمنح المتقدّمين تصاريح إقامة وعمل منذ تقديم الطلبات، باعتبارها "ضرورة اجتماعية واقتصادية وإنسانية وسياسية"، تكشف مؤشرات حديثة أن جزءاً كبيراً من الجيل الجديد ينظر إلى الهجرة بقدر متزايد من الحذر والقلق. وظهر التباين بين السياسات الرسمية وتوجهات الرأي العام بوضوح في نتائج دراسة "الشباب الإسباني 2026"، التي صدرت أخيراً، ورسمت صورة مغايرة للتصور التقليدي عن الشباب باعتبارهم أكثر انفتاحاً وتقبلاً للتعددية الثقافية.
ويرى 72% من خمسة آلاف شاب استفتوا في الدراسة وتتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة، أن المهاجرين يجب أن يتكيفوا مع الثقافة الإسبانية، في حين يبدي 60% منهم اعتقادهم بأن الدولة تقدم تسهيلات مفرطة للمهاجرين. كما يربط 61% من المستفتين بين وجود المهاجرين وارتفاع معدلات الجريمة، وهذه مؤشرات تعكس تصاعد ما يوصف بـ"إدراك التهديد" المرتبط بالهجرة. وتمثل هذه الأرقام تحوّلاً واضحاً مقارنة بما كان عليه الوضع قبل سنوات قليلة، ففي عام 2020 كان 65% من الشباب يفضلون العيش في مجتمع متنوع، لكن هذه النسبة تراجعت إلى 42% بحلول عام 2025، في مؤشر لتراجع جاذبية فكرة التعدد الثقافي. في المقابل ارتفعت نسبة من يعتقدون بضرورة "اندماج المهاجرين وفق النموذج الثقافي المحلي" من 47 إلى 72% خلال الفترة نفسها، ما يعكس انتقالاً نحو رؤية أكثر تشدداً لمسألة الاندماج.
وأظهرت النتائج أيضاً أن الهجرة السرية أصبحت من بين القضايا التي يعتبرها الشباب الأكثر إلحاحاً، وتزايد مطالبة الحكومة باتخاذ إجراءات أكثر صرامة. ويأتي ذلك في سياق أوسع يتّسم بتصاعد الجدل السياسي والإعلامي حول هذه القضية، خاصة بعد إعلان خطة التسوية الأخيرة. كما ارتفعت نسبة الشباب الذين يعتقدون بأن "عدد المهاجرين كبير جداً" من 34% عام 2020 إلى 65% عام 2025، في حين تضاعفت تقريباً نسبة من يرون أن السياسات الحالية "متساهلة أكثر من اللازم" خصوصاً أنها تنفذ واحدة من أكبر عمليات التسوية في تاريخها الحديث، ما يجعل مئات آلاف المهاجرين يعلّقون آمالاً كبيرة على فرصتهم للانتقال من الهامش إلى الاعتراف القانوني.
ويرتبط هذا التحوّل أيضاً بالقلق المتزايد على موارد الدولة. ويرى عدد متنامٍ من الشبان أن الهجرة تضغط على نظام الرفاه، ما يتقاطع مع الاعتقاد بأن المهاجرين يحصلون على ميزات أكبر من اللازم. وفي السياق تراجعت نسبة من يدافعون عن احترام عادات المهاجرين، طالما أنها لا تتعارض مع الدستور، من 74% إلى 64% خلال خمس سنوات، ما يشير إلى انحسار القبول الثقافي.
ورغم هذا التشدد، تكشف الدراسة مفارقة مهمة، فعدد الشباب الذين يعتقدون بأن المهاجرين "يسلبون الوظائف" تراجع في شكل كبير من 78% عام 2005 إلى 43% عام 2025. ويرى نحو نصف المستطلعين أن الهجرة ضرورية للاقتصاد. وتعكس هذه الأرقام وعياً متزايداً بالدور الاقتصادي للمهاجرين، خصوصاً في ظل نقص اليد العاملة في قطاعات عدة، لكنها في الوقت نفسه تكشف فجوة بين القبول الاقتصادي والرفض الاجتماعي. ويرى محللون أن هذا التحوّل في مواقف الشباب لا يمكن فصله عن السياق العام، حيث تتداخل عوامل عدة، من بينها تصاعد الخطاب السياسي حول الهجرة، والضغوط الاقتصادية، والتغطية الإعلامية الكثيفة لهذه القضية. كما تلعب شبكات التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في تشكيل التصورات، حيث تنتشر الروايات والمخاوف بسرعة في كثير من الأحيان من دون تدقيق كافٍ.
وتكشف هذه المعطيات عن جيل لم يعد يتعامل مع الهجرة بالمنطق ذاته الذي طبع العقد الماضي. فبينما ظل الانفتاح والتعددية جزءاً من منظومة القيم، فرضت التحوّلات الاقتصادية والاجتماعية إعادة نظر تدريجية في تلك المسلمات. ولم يعد الرفض أو القبول مطلقين، بل بات الموقف أكثر تركيباً: اعتراف بدور الهجرة في دعم الاقتصاد في مقابل ميل واضح للمطالبة بضبطها وإخضاعها لقواعد أكثر صرامة.
وفي ظل هذا التوازن الهش بين الحاجة الاقتصادية والهواجس الاجتماعية، تجد إسبانيا نفسها أمام معادلة دقيقة، فسياسات الإدماج التي تدفع بها الحكومة تصطدم بتنامي شعور لدى جزء من الشباب بأن وتيرة التغيير تفوق قدرة المجتمع على الاستيعاب. وبين الاتجاهين يتشكل نقاش جديد حول حدود الانفتاح وشروطه. ما يوضح، في نهاية المطاف، أن النقاش حول الهجرة لم يعد محصوراً في السياسة، بل يصبح جزءاً من إعادة تعريف أوسع للعقد الاجتماعي نفسه. وهذا مسار مفتوح على احتمالات عدة ستتحدد ملامحه مع تطور الأوضاع الاقتصادية، وطبيعة الخطاب العام، وقدرة المؤسسات على إدارة هذا التوازن المعقد.

Related News
قلق بين الغزيين من التلويح بالحرب ورفض «نزع السلاح»
aawsat
32 minutes ago