Arab
بأي حالٍ عدتَ يا عيد؟ سؤالٌ يحمل في طياته خيبةً تتجدّد عاماً بعد عام، حتى غدا جوابه مريراً ومألوفاً، مثقلاً بالمآسي. ففاتح شهر مايو/أيار، الذي كان من المفترض أن يكون يوماً للاحتفاء بالكرامة العمالية، تحوّل في كثير من البلدان إلى مناسبة تتردّد فيها أصداء الوعود المكسورة والحقوق المؤجّلة. في هذا اليوم، الذي يُفترض أن يُرفع فيه العلم تكريماً للجهد والعرق، لا ترى سوى أيادٍ ترتجف من التعب، ووجوهٍ أثقلتها هموم الحياة.
يقول كارل ماركس: "العمل هو العملية التي يُظهر فيها الإنسان قوته الذاتية في العالم الموضوعي"، لكن ماذا يتبقى من هذه القوة حين تُكبّل يد العامل بقوانين تصادر حقه في الإضراب؟ وحين تتحوّل آماله إلى رهينة لدى حكومات تُزيّن خطابها الاجتماعي، بينما تُعمّق جراحه الاقتصادية؟ إن القوانين التي تُقيّد حق الإضراب ليست سوى سيفٍ مسلّط على رقاب العمال، يقطع آخر خيوط نضالهم المشروع. وكما قال جان جاك روسو: "الحرية الحقيقية لا توجد إلا حيث لا يوجد استغلال"، فإن هذه الحرية تبدو غائبة في مشهد العمل، حيث تُسحق الكرامة تحت عجلات العولمة والمصالح الرأسمالية.
أما النقابات، التي كانت يوماً صوت العمال الصارخ في وجه الاستغلال، فقد تحوّلت في كثير من الأحيان إلى كيانات باهتة، بلا مخالب ولا أنياب. ويُستحضر هنا قول إيمانويل كانط عن التنوير: "التنوير هو خروج الإنسان من قصوره الذي اقترفه في حق نفسه".
لكن هذه النقابات، ببيروقراطيتها وضعف تمثيليتها، تبدو وكأنها استسلمت طوعاً لذلك القصور. ما نشهده اليوم أشباح قيادات تتحدّث عن التغيير، لكنها تعيش في الماضي، وبيانات تُصدر للاستهلاك الإعلامي، بينما تغيب الأفعال الحقيقية. وفي هذا السياق، يقول أنطونيو غرامشي: "الأفكار لا تنبع من الفراغ، بل من الكفاح"، وغياب الكفاح الصادق يجعل النقابات ظلالاً بلا أثر.
في يومٍ يُفترض أن يكون رمزاً للعدالة والكرامة العمالية، تُرفع الشعارات المطالبة بالحقوق والمساواة، لكن الردّ الحكومي غالباً ما يتسم بالتجاهل أو المماطلة، إن لم يكن غائباً بالكامل. فالحكومات التي لا تتوانى عن تقديم نفسها كـ"اجتماعية"، تختزل العمال إلى مجرّد أرقام في معادلات اقتصادية جافة، تتحدّث عن "النمو" و"التوازن المالي"، بينما تُغفل الإنسان الذي يُثقل كاهله العمل وغلاء المعيشة، وتُهدر كرامته في صمت.
العامل ليس رقماً ولا وسيلة إنتاج؛ إنه روحٌ تنبض بالعطاء وتستحق التقدير. وكما قال ألبير كامو: "المتمرّد هو من يقول لا"، فقد آن الأوان لأن يستعيد العمال روح النضال والمقاومة، لا بمعناها الفوضوي، بل كصمودٍ واعٍ في وجه الظلم.
إن فاتح مايو لم يعد يحمل روح الاحتفال كما ينبغي، بل تحوّل إلى طقسٍ جنائزي يُقام لتأبين الحقوق المهدورة والآمال المدفونة تحت ركام الإهمال
إن فاتح مايو لم يعد يحمل روح الاحتفال كما ينبغي، بل تحوّل إلى طقسٍ جنائزي يُقام لتأبين الحقوق المهدورة والآمال المدفونة تحت ركام الإهمال. فبدل أن يكون يوماً لإحياء الكرامة وإبراز قيمة العمل، أصبح مناسبة تُذكّر بالهوة السحيقة بين شعارات العدالة الاجتماعية والواقع البائس.
وكما قال جان بول سارتر: "الجحيم هو الآخرون"، فإن الجحيم الذي يعيشه العمال اليوم هو نتاج سياسات اقتصادية واجتماعية تتجاهل إنسانيتهم، وتنكر دورهم المحوري في بناء مجتمع أكثر إنصافاً. إنه جحيم التهميش، حيث يتحوّل العامل إلى ترسٍ مهمل في آلة رأسمالية ضخمة، تدور بلا اكتراث لمعاناته.
ورغم هذا المشهد القاتم، يبقى الأمل حيّاً لا ينطفئ. وكما قال فريدريش نيتشه: "ما لا يقتلني يجعلني أقوى"، فإن هذا الألم المتكرّر يمكن أن يتحوّل إلى قوة دافعة نحو المقاومة والتغيير. فعيد العمال، رغم كل ما أصابه من تشويه، يظلّ مناسبة لإحياء روح الكفاح وتجديد العهد بالكرامة. إنه فرصة لاستعادة الذاكرة، لا بوصفها حنيناً للماضي، بل كحافز لبناء مستقبل أكثر عدالة، يُعترف فيه بقيمة العمل، وتُصان فيه كرامة الإنسان، ويُعاد لهذا العيد معناه الحقيقي ومكانته التي يستحقها.
Related News
صلاح خارج مواجهة مان يونايتد
aawsat
6 minutes ago
إضراب واسع في اليونان للمطالبة برفع الأجور
alaraby ALjadeed
6 minutes ago
فيسينز: الفوز على فرايبورغ كان صعباً
aawsat
20 minutes ago