Arab
بلغ عدد الشهداء الذين اغتالتهم إسرائيل في قطاع غزّة منذ اتّفاق الهدنة بشرم الشيخ في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول 2025 أكثر من 700 شهيد، 99% منهم من المدنيين، وحوالي 350 شهيدًا منهم من الأطفال والنساء والمسنين؛ ولا يُمكن تقديم إحصائية دقيقة، لأن الاغتيالات الإسرائيلية ما زالت مستمرةً في قطاع غزّة حتّى اللحظة، ما يطرح تساؤلاتٍ ملحةً: هل نحن فعلاً في هدنة؟ وكيف يجتمع النقيضان الهدنة واستمرار الاغتيالات؟ وهل يمكن للهدنة أن تصمد في ظلّ استمرار الاغتيالات؟ وما هي احتمالات استمرار الهدنة؟
سياسة الاغتيالات، أو القتل الانتقائي ليست سلوكاً مُستحدثاً في الجرائم الّتي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي ضدّ الشعب الفلسطيني، لكنها أصبحت ظاهرةً يوميةً عقب اتّفاق الهدنة ووقف إطلاق النار، إذ لا يكاد يمضي يوم في قطاع غزة من دون عملية اغتيال تستهدف كوادر الشرطة والصحفيين، بل حتى موظفين عاملين في مؤسسات الإغاثة المحلية "مبادرين"، والعربية "اللجنة المصرية"، والدولية "منظّمة الصحة العالمية"؛ هذه الفئات يُفترض أن لها حصانة مضمونة ومكفولة وفق أبجديات القانون الدولي الإنساني، ومحددات العلاقات الدولية في الصراعات. بالتالي نحن أمام انتهاك صريح لتلك الحصانة، وتقويض مُتعمد لجوهر مقتضيات اتّفاق الهدنة ووقف إطلاق النار والبروتوكول الإنساني الملحق بالاتّفاق واستحقاقاتهم.
لا يمكن فهم إصرار إسرائيل على الاغتيالات واستمرارها إلّا في سياق واحد من اثنين؛ الأول: إرضاء اليمين المتطرف المحيط برئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، وإيهامهم بأن يد إسرائيل طويلة، وبأنّ اتّفاق الهدنة لم يمنعها من الذهاب إلى القتل الانتقائي في قطاع غزة
يُلاحظ أن هناك تحولا حدث في استسهال ارتكاب إسرائيل جرائم الاغتيالات، ففي بداية اتّفاق الهدنة ادعت إسرائيل أنّ الاغتيالات حدثت نتيجة خرق ما قامت به المقاومة، مثل خروج مقاتلين من أحد الأنفاق في رفح، أو ادعاء إطلاق نار؛ ورغم نفي المقاومة لذلك وإعلان التزامها باتّفاق الهدنة ومقتضياته إلّا أن اسرائيل تُبالغ في ردها واغتيالاتها
لكن مؤخرًا لم تعد إسرائيل تقدم أي رواية أو ادعاء، وكأنّها لم تعد بحاجة ذريعة لاستمرار الاغتيالات؛ بل باتت تُوثق تلك الاغتيالات بالصوت والصورة، وتتفاخر بها وتنشرها عبر وسائل إعلامها. هذا السلوك يتناقض مع مقتضيات الاتّفاق، ويهدد بنسف الهدنة، ويضر بمصداقية الوسطاء، وعامل ضاغط على فصائل المقاومة الّتي لا يمكنها الاستمرار في الصمت ولا تمتلك أريحية ومساحة كافية للرد عليها.
وعليه لا يمكن فهم إصرار إسرائيل على الاغتيالات واستمرارها إلّا في سياق واحد من اثنين؛ الأول: إرضاء اليمين المتطرف المحيط برئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، وإيهامهم بأن يد إسرائيل طويلة، وبأنّ اتّفاق الهدنة لم يمنعها من الذهاب إلى القتل الانتقائي في قطاع غزة؛ والثاني: أنّ نتنياهو يُريد نسف الهدنة، واستدراج الفصائل إلى الرد على الاغتيالات، حتّى يتحرر من الاتّفاق من دون أي تكلفة، ويعود مرة أخرى إلى الحرب تحت مبرر أن فصائل المقاومة قامت بخرق الاتّفاق، وبالتالي ضرب جوهر أي تفاهم محتمل من أجل الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتّفاق الهدنة.
إضافة إلى ذلك هناك أهداف أخرى يريد نتنياهو تحقيقها وتوظيفها من خلال القتل الانتقائي، لا سيّما في ما يتعلق بنشر الفوضى الأمنية في الجبهة الداخلية، وإضعاف بنية المقاومة البشرية، وإفراغ الأجهزة الأمنية من كوادرها، ووضعها تحت ضغط الشارع الذي يرفض استمرار الاغتيالات من دون رد. ذلك أن تلك الاغتيالات واستمرارها لا يمكن وصفها بأنّها مجرد خروق أو تهرب من استحقاقات اتّفاق الهدنة، بل رسائل سياسية ومعادلة تريد إسرائيل تثبيتها لتتجرعها المقاومة في قطاع غزّة. وهو ما يقودنا إلى الاحتمالات التالية:
الاحتمال الأول: هو البقاء في المربع الحالي؛ "الهدنة الهشة"، أي استمرار الاغتيالات وتجرعها من دون انفجار شامل، وبذلك تبقى الهدنة لكنها مهددة في أي لحظة. الاحتمال الثاني: انهيار الهدنة نتيجة استمرار الاغتيالات واستهداف قيادات بارزة، ما يدفع الفصائل إلى الرد، ما يعني بالتالي "العودة إلى الحرب"، وهو احتمال تكلفته مرتفعة جداً. الاحتمال الثالث: نجاح الوسطاء والأطراف المعنية في الضغط على إسرائيل، وفرض قيود واضحة تمنع الاحتلال من الاستمرار في الاغتيالات، وتحويل اتّفاق الهدنة إلى اتّفاق شامل وكامل وطويل؛ وإجبارها على وقف الاغتيالات، هو ما يجب أن يوضع على طاولة المباحثات واللقاءات الجارية الآن في القاهرة بين الفصائل الفلسطينية ومجلس السلام برعاية الوسطاء.
ختاماً؛ يسير المشهد الآن في قطاع غزّة وسط حقل ألغام، ويجمع بين نقيضين؛ الهدنة واستمرار الاغتيالات وهذا لا يمكن أن يستمر طويلًا.
