فواتير النزوح في العراق: من يدفع ثمن 12 عاماً في المخيمات؟
Arab
5 days ago
share
تطالب حكومة إقليم كردستان، شمالي العراق، بمستحقات فواتير مياه وكهرباء تقارب مليارَي دينار عراقي (نحو 1.5 مليون دولار أميركي) بدلاً من استضافة مخيمات النازحين، حيث لا تزال نحو 20 ألف عائلة تعيش بين خيام تحولت إلى بيوت موقّتة طويلة الأمد. ويتقاطع الجدل المالي بين بغداد وأربيل مع معاناة يومية لسكان فقدوا الاستقرار منذ عام 2014، حين اضطروا إلى الفرار من مناطقهم، عقب اجتياحها من قبل تنظيم "داعش". وقد أعلنت وزارة الهجرة والمهجرين العراقية أن حكومة الإقليم تطالب بنحو مليارَي دينار لتغطية كلفة خدمات المياه والكهرباء في المخيمات. ووفقاً لتصريح المتحدث باسم الوزارة، علي عباس، أمس السبت، فإنّ "الملف أُحيل إلى لجنة حكومية للنظر فيه". وأشار إلى أن "هذا الرقم لا يمثل سوى جزء من كلفة أوسع تراكمت عبر السنوات، تشمل أيضاً أجور الأراضي التي أُقيمت عليها المخيمات، وتعويضات يطالب بها مالكوها بعد سنواتٍ من الاستخدام المستمر". مدن مؤقّتة بكلفة دائمة في محافظتَي دهوك وأربيل، شمالي العراق، لا يزال 22 مخيماً قائماً، حتى إن هذه المخيمات بات واقعها أقرب إلى "مدن غير رسمية" تعتمد بشكل كامل على التمويل الحكومي والدعم الإنساني. وفيما يُفترض أن تكون خدمات المياه والكهرباء بديهية، صارت جزءاً من معادلة سياسية واقتصادية معقدة. ويقول عضو الحزب الديمقراطي الكردستاني، كاوه الريكاني، لـ"العربي الجديد" إنّ "حكومة كردستان تحملت لسنوات أعباء إدارة المخيمات وتقديم الخدمات الأساسية، رغم التحديات المالية التي تواجهها، ومن الطبيعي أن تطالب بتسوية هذه المستحقات مع الحكومة الاتحادية"، مضيفاً أن "الملف لا يتعلق فقط بالمياه والكهرباء، بل بمنظومة خدمات كاملة استمرت لأكثر من عشرة أعوام". يعكس هذا الطرح وجهة نظر أربيل، عاصمة إقليم كردستان، التي ترى أنّها قد أدّت دوراً إنسانياً يتجاوز إمكاناتها، فيما تنظر بغداد إلى الملف ضمن سياق إداري ومالي يتطلب تدقيقاً قبل صرف أيّ مستحقات. وبعيداً عن الجدل الحكومي، يعيش النازحون واقعاً مختلفاً، فقد تحوّلت خيامٌ إلى وحدات سكنية شبه دائمة، وبنية تحتية محدودة، وفرص عمل نادرة. يقيم أحمد علي، وهو نازح من سنجار، في أحد مخيمات دهوك منذ سنوات، يقول إنّ "المشكلة لم تعد فقط في الخدمات، بل في الشعور بأن حياتنا متوقفة لا نستطيع العودة، ولا نملك خياراً واضحاً للبقاء". ويضيف لـ"العربي الجديد": "حتى المياه والكهرباء التي يتحدثون عنها، غير متوفرة بشكل مستقر، دائماً في الصيف تنقطع الكهرباء لساعات طويلة، وفي الشتاء نعاني من البرد والرطوبة". تعكس هذه الشهادة واقعاً أوسع، حيث لم يعد النزوح حالة طارئة، بل نمط حياة مفروضاً على آلاف العائلات، ممّن لا تزال مناطقهم الأصلية تعاني من نقص الخدمات والبنية التحتية، فضلاً عن تحديات أمنية واجتماعية تعوق العودة. ووضعت السلطات العراقية أمام النازحين ثلاثة خيارات؛ إمّا العودة إلى مناطقهم الأصلية، أو الاستقرار في الإقليم، أو الانتقال إلى محافظة أخرى، لكن هذه الخيارات تبقى نظرية أكثر منها عملية، بحسب ناشطين. ويرى الناشط الحقوقي، حسام علي، أنّ "الحديث عن خيارات متعددة لا يعكس الواقع الحقيقي للنازحين، لأن العودة تتطلب بيئة آمنة وخدمات مضمونة، وهو ما لم يتحقق بشكل كامل حتى الآن". ويضيف لـ"العربي الجديد" أن "الاستقرار في الإقليم يواجه عقوبات قانونية واقتصادية، فيما لا يوجد برنامج واضح لإعادة التوطين في مناطق أخرى". ويحذّر من أن "استمرار هذا الوضع يخلق جيلاً كاملاً نشأ في المخيمات، ما يفاقم التحديات الاجتماعية والنفسية على المدى الطويل". ويعكس الخلاف حول المستحقات المالية جانباً من التوتر المزمن بين بغداد وأربيل، حيث تتداخل القضايا الإنسانية مع الحسابات السياسية والمالية، إذ إن ملف النازحين، رغم طابعه الإنساني، بات جزءاً من ملفات أوسع تتعلق بالموارد والصلاحيات. ويساهم في استمرار هذه الإشكاليات غياب استراتيجية وطنية شاملة لإغلاق ملف النزوح، ما يحوّل المخيمات إلى مساحة رمادية بين الطوارئ والديمومة. وكانت موجة النزوح الكبرى قد بدأت في العراق في صيف عام 2014 عندما سيطر تنظيم "داعش" على مساحات واسعة من البلاد، ما أجبر ملايين العراقيين على الفرار. ورغم إعلان هزيمة التنظيم عسكرياً في وقتٍ لاحق، إلا أنّ آثار تلك المرحلة لا تزال قائمة، خصوصاً في المناطق التي تعرّضت لدمار واسع. ومع مرور السنوات، أُغلقت العديد من المخيمات، ولا سيّما في محافظات الوسط والجنوب، فيما بقيت مخيمات إقليم كردستان تستقبل عشرات الآلاف من النازحين الذين لم يتمكنوا من العودة. وبين لجانٍ حكومية تبحث في فواتير متراكمة، ومخيمات لا تزال قائمة منذ أكثر من عقد من الزمن، يبقى ملف النزوح في العراق مفتوحاً على احتمالات متعددة. ويرى متابعون أنه مع استمرار الخلافات حول الكلفة والمسؤولية، لا يبدو أن الحلّ قريب، في وقتٍ يدفع فيه النازحون الثمن الأكبر، ليس فقط في شكل خدمات محدودة، بل في سنوات طويلة من الانتظار، في وقتٍ لا يبدو فيه أي أفق واضح لنهاية هذه المرحلة العصيبة.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows