Arab
حدثان مهمّان شهدتهما دمشق أخيراً. الأوّل، انعقاد أولى جلسات محاكم العدالة الانتقالية (طال انتظارها) لمقاضاة متهمين بجرائم ضدّ السوريين في حقبة حكم عائلة الأسد، التي بدأت باستيلاء حافظ الأسد على السلطة بانقلاب 16 نوفمبر/ تشرين الثاني 1970. وكانت نقطة الانطلاق في 26 من الشهر الماضي (إبريل/ نيسان) بمثول المسؤول الأمني السابق في درعا عاطف نجيب أمام محكمة الجنايات بدمشق، بتهمة "ارتكاب جرائم بحقّ الشعب السوري"، منها تعذيب أطفال درعا قبل أيّام من اندلاع الثورة في تلك المحافظة في 15 مارس/ آذار 2011. وقد سبق ذلك بأيّام (الحدث الثاني) اعتقال أمجد يوسف، العضو السابق في المخابرات العسكرية، والمتّهم الأساس بارتكاب مجزرة حيّ التضامن التي وقعت في 2013، وهي واحدة من أسوأ الانتهاكات التي ارتكبتها أجهزة النظام السابق، وقُتل فيها نحو 288 مدنياً. وسلّط الضوء على هذه المجزرة في إبريل/ نيسان 2022، عندما نشرت صحيفة الغارديان البريطانية مقاطع فيديو قدّمها أكاديميان قالا إنّها تظهر أمجد يوسف وهو يجبر مدنيين معصوبي الأعين على الركض نحو حفرة في الحيّ الواقع في جنوبي دمشق، قبل إطلاق النار عليهم.
بدء المحاكمات، واعتقال مجرم حيّ التضامن، ليسا حدثَين عاديَّين بالنسبة إلى السوريين الذين عانوا من أهوال الأسدية. وتُعدّ سيرة عاطف نجيب مرادفةً لأوّل الانتهاكات التي ولّدت الشرارة الأولى للثورة من محافظة درعا، وعلى هذا تشكّل المحاكمة خطوةً ذات معان كبيرة في الوضع الراهن، وتحمل العدالة في هذه الحالة رمزيةً سياسيةً واجتماعيةً بامتياز، وتتجاوز بذلك البُعد القانوني. فالعدالة الانتقالية أوّل خطوة في طريق دولة القانون والمؤسّسات، ومن خلال فتح ملفّات 55 عاماً من الانتهاكات، تسير سورية نحو محاسبة المجرمين وإنصاف الضحايا، وهذا هو سبيل التعافي الوحيد من جراح لم يكن من الممكن الشفاء منها من دون الاقتصاص من مرتكبيها. فتح باب المساءلة يخفّف الاحتقان الداخلي، ويضع الأساس المتين للسلم الأهلي، كما حصل في بلدان أخرى مرّت في ظروف مشابهة، مثل رواندا وجنوب أفريقيا. وحتى تُحقّق العملية الهدف المنشود منها، يجب أن تبقى ضمن إطار القانون وإحقاق العدالة بتجرّد تام، وعدم السماح بتوظيفها سياسياً، ولا بتحويلها إلى عملية تصفية حسابات، وهذا وحده ما يساعد على إنصاف الضحايا، وطيّ صفحة الماضي الثقيل والأسود من جرّاء الانتهاكات الفظيعة لعهد آل الأسد التي مزّقت المجتمع السوري. والخلاصة أن تأثير المحاكمة على السلم الأهلي لا يعتمد على انطلاقها فقط، بل على كيفية إدارتها، ولماذا؟ وما تحتاجه سورية اليوم ليس محاكمات فقط، بل رؤية متكاملة للعدالة الانتقالية، تدرك أنّ السلم الأهلي لا يُبنى على النسيان، ولا على الانتقام.
ملفّ العدالة الانتقالية أحد أبرز التحدّيات التي تواجهها السلطة السورية، نظراً إلى تشعّبه وكثرة الانتهاكات والجرائم التي ارتُكبت خلال أكثر من نصف قرن حكم فيها آل الأسد سورية بالحديد والنار، وهناك محطّات دموية كبيرة منها مجازر حماة وحلب وتدمر في أثناء عهد الأسد الأب. وحسناً اتخاذ قرار توسيع المجال ليشمل انتهاكات ما قبل ثورة 2011، لأنّ البلد لا يزال يعيش كوابيس الأحداث الدموية البعيدة في التاريخ، ويحتاج إلى طيّ الصفحة كاملة، وهذا يتطلّب الموازنة بين الحفاظ على الاستقرار وإحقاق العدالة، وأن تترافق المحاسبة الجدّية مع خطاب تهدئة وتخفيف التوتّر. وهناك مسألة مهمّة تتعلّق بفتح المجال لأهالي الضحايا لتقديم دعاوى ضدّ الجرائم من دون الاقتصار على الآلية التي تعتمدها السلطات الرسمية في العاصمة، وهذا يعني أنّ على دوائر القضاء في المحافظات الأخرى تولِّي جانبٍ من المهمّة، ما يبعدها عن أن تكون خطوةً معزولةً، بل بداية مسار أوسع.

Related News
راشد الغنوشي بين النفي والملاحقة والسجن
alaraby ALjadeed
18 minutes ago
الركود في اليمن يطحن عمال المياومة
alaraby ALjadeed
30 minutes ago